والأقرب عندي - والله أعلم -: أن أبا معاوية قد أخطأ فيها جميعاً، ولم يضبط إسناد هذا الحديث عن الأعمش، مع كونه من أثبت الناس فيه؛ لما سيأتي بيانه، لا سيما وقد أنكر أحمد وأبو داود حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن معاذ، على ما فسره البيهقي.
وقد وقع الغلط لأبي معاوية حيث انقلب عليه حديث الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ، فأسقط منه مسروقاً، وجعله في حديث الأعمش عن إبراهيم عن معاذ.
والمحفوظ عن الأعمش في هذا الحديث: أن الأعمش قد رواه عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن مسروق، عن معاذ. بإثبات مسروق فيه.
ورواه أيضاً: عن إبراهيم بن يزيد النخعي مرسلاً عن معاذ، لم يذكر فوقه أحداً.
فإن قيل: لم ينفرد أبو معاوية بالإسناد الثاني الذي أنكره أحمد وأبو داود: فقد روى أبو العباس أحمد بن الحسن النسائي: حدثنا عبد الله بن جعفر [عبد الله بن جعفر بن غيلان الرقي: ثقة]: حدثني عيسى بن يونس [ثقة مأمون]، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله، عن النبي ﷺ مثله.
أخرجه القاسم بن زكريا المطرز في فوائده (٢٩).
قلت: هذا حديث غلط، لا يُعرف من حديث ابن مسعود، إلا فيما يرويه: خصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال:«في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة». وسيأتي ذكره في الشواهد.
وأما هذا الحديث: فلا يُعرف من حديث عيسى بن يونس الكوفي على كثرة أصحابه الكوفيين وغيرهم، فقد روى عنه خلائق من أهل العراق والحجاز والشام ومصر، فكيف يتفرد دونهم عبد الله بن جعفر الرقي؟! ثم لا يُعرف من حديث الرقي على كثرة من روى عنه أيضاً من أهل العراق وخراسان والشام وغيرهم، وأما شيخ القاسم المطرز فلا أستبعد أن يكون تصحف عن أحمد بن الحسين، وهو: أحمد بن الحسين بن عباد النسائي البغدادي أبو العباس البزاز السمسار، يلقب بنان، وهو: صدوق، وهو من نفس هذه الطبقة، ومما يؤكد أنه هو: أن الخطيب ذكر في شيوخه: عبد الله بن جعفر الرقي، وليس هو بذاك المشهور، ولا بذاك الحافظ الذي يحتمل تفرده بهذا الإسناد، والله أعلم [انظر: الجرح والتعديل (٢/٤٨)، تاريخ بغداد (٥/ ١٥٢ - ط الغرب)، تاريخ الإسلام (٦/٢٤ و ٢٦٢ - ط الغرب)، الثقات لابن قطلوبغا (١/ ٣١٧)].
* * *
١٥٧٨ - قال أبو داود: حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء: حدثنا أبي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ بن جبل، قال: بعثه