قلت: ومن دلائل عدم ضبطه لإسناد هذا الحديث: أنه لم يحفظ اسم التابعي الذي حدثه بهذا الحديث؛ لكن لما كان هذا السياق أشبه بسياق حديث عبد الله بن معقل عن كعب، فلا يبعد أن يكون هو الذي حدثه بهذا الحديث، فيصح بذلك الإسناد، ولما لم يأتِ في حديثه بما ينكر، وإنما أتى بما رواه الثقات، وترجح عندنا أن المبهم هنا هو أحد الثقات، وهو عبد الله بن معقل، فيصح بذلك الحديث، ويتبين عظم موقع مالك رحمه الله تعالى في انتقائه لحديثه، وإدخاله إياه في الموطأ.
ومالك، وما أدراك ما مالك؟! فإن شأن مالك في الاحتياط في الحديث معلوم مشهور، قال الشافعي:«إذا جاء الحديث عن مالك فشُدَّ به يدك»، وقال أيضاً:«كان مالك إذا شك في بعض الحديث طرحه كله»، وقال ابن عيينة:«كان مالك لا يُبلغ من الحديث إلا صحيحاً، ولا يحدث إلا عن ثقة»، وقال أبو حاتم لابن معين:«مالك قل حديثه؟ فقال: بكثرة تمييزه»، وقال أبو حاتم:«ومالك: نقي الرجال، نقي الحديث، وهو أنقى حديثاً من الثوري والأوزاعي»، وقال ابن حبان:«ولم يكن يروي إلا ما صح»، والنقل في هذا يطول لكني اكتفيت بالإشارة، وقد كان مالك يترك بعض حديثه توقياً، لاسيما إذا لم يكن عليه العمل، وكان شديد الانتقاء لما صح من الحديث، ولا يحدث إلا بما صح عنده، حتى قال ابن عبد البر في التمهيد:«وبلاغاته إذا تفقدت لم توجد إلا صحاحاً»، لذا فقد ترك حديثاً كثيراً مما سمعه من مشايخه لم يحدث به لأسباب عديدة [الجرح والتعديل (١/١٤). الثقات (٧/ ٤٥٩). الكامل (١/ ٩١). الحلية (٦/ ٣٢١). التمهيد (١/ ٧٤) و (١٣/ ١٨٨). ترتيب المدارك (١/ ٧٣ - ٧٥). السير (٨/ ٧٣)] [وقد سبق الكلام عن ذلك في مواضع من فضل الرحيم الودود].
ومالك وإن أخرج حديثه هذا عن رجل من الغرباء، وقد تكلم فيه بعضهم، إلا أنه انتقى من حديثه ما أصاب فيه، فرواه كما رواه الثقات، وهذا التصرف قريب من تصرف البخاري ومسلم في صحيحيهما، في انتقاء ما صح من حديث الراوي سيئ الحفظ، والله أعلم.
٥ - شقيق بن سلمة، عن كعب:
• رواه عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي [الرازي: ثقة]، ومحمد بن سعيد بن سابق [الرازي: ثقة][وقد اشتهر من حديثه]:
أخبرنا عمرو بن أبي قيس [الرازي: ليس به بأس، وأصله كوفي، نزل الري]، عن الزبير بن عدي [الكوفي، قاضي الري: ثقة من الخامسة، يروي عن أبي وائل، مقل عنه]، عن أبي وائل عن كعب بن عجرة، قال: أحرمت فكثر قمل رأسي، فبلغ ذلك النبي، فأتاني وأنا أطبخ قدراً لأصحابي، فمس رأسي بإصبعه، فقال:«انطلق، فاحلقه، وتصدق على ستة مساكين».
أخرجه النسائي في المجتبى (٥/ ١٩٥/ ٢٨٥٢)، وفي الكبرى (٤/ ٩١/ ٣٨٢١)،