ولهذا رده النبي ﷺ، وكذلك في حديث عمير بن سلمة دلالة واضحة في كون البهزي لم يقصد المحرمين بصيده هذا، فلما جاء باحثاً عن صيده ووجد عنده النبي ﷺ وأصحابه أهداه إليهم، فلما بدا للنبي ﷺ أنه لم يصده لأجلهم قبله منه، وأمر أبا بكر بقسمته بين الناس، وتقدم بيان ذلك في موضعه، وأن حديث جابر قد فصل المسألة وبين وجه الرد والقبول، ثم أورد الطحاوي أحاديث عامة في قبول هدية الحلال فيما صاده ليس لأجل المحرم، مثل حديث أبي سعيد الخدري في قصة أبي قتادة، وحديث أبي قتادة، ثم ادعى الطحاوي أن أبا قتادة أراد باصطياده للحمار الوحشي أن يكون له ولأصحابه الذين كانوا معه، وأن النبي ﷺ إنما أباحه لهم شريطة عدم إعانتهم له في صيده بإشارة أو قتل ونحو ذلك، ثم حمل على هذا المعنى ما ثبت عن عمر وأبي هريرة في إباحة صيد الحلال للمحرم بغير قيد، إلى أن قال:«فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى».
وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء (٢/ ١٢٥ - اختصار الجصاص) أقوال الناس في هذه المسألة، وأطال النفس في ذلك، وكان مما قال:«وقال الشافعي: يصح الحديثان، فيجعل المنهي عمن صيد له، والإباحة لمن لم يُصد له»، والله أعلم.
· وقال الخطابي في المعالم (٢/ ١٨٦) عن حديث علي: «قلت: يشبه أن يكون علي ﵁ قد علم أن الحارث إنما اتخذ هذا الطعام من أجل عثمان ولمن حضر معه من أصحابه، فلم ير أن يأكله هو ولا أحد ممن بحضرته، فأما إذا لم يُصد الطير والوحش من أجل المحرم، فقد رخص كثير من العلماء في تناوله، ويدل على ذلك حديث جابر»، فذكره ثم قال: وممن هذا مذهبه: عطاء بن أبي رباح، ومالك والشافعي، وأحمد، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يأكل المحرم ما لم يصده إذا كان قد ذبحه حلال. وإلى نحو من هذا ذهب أصحاب الرأي قالوا: لأنه الآن ليس بصيد. وكان ابن عباس يحرم لحم الصيد على المحرمين في عامة الأحوال، ويتلو قوله ﷺ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ويقول: الآية مبهمة. «وإلى نحو من ذلك ذهب طاووس، وكرهه سفيان الثوري وإسحاق». [وانظر: أعلام الحديث (٢/ ٩١٩)].
· وقال الماوردي في الحاوي (٤/ ٣٠٤): وأما الفصل الثاني: وهو أن يقتل المحل صيداً فيجوز له ولكل مُحلّ أن يأكل منه، فأما المحرم فإن لم تكن منه معونة في قتله ولا قتله الحلال من أجله فهو حلال له، وإن كان من هذا المحرم معونة في قتله: إما بدلالة، أو آلة، أو قتله الحلال من أجله إما عن إذنه أو غير إذنه، فهو حرام على المحرم.
قال بعض الناس: هو حرام على المحرم بكل حال، وقد حكي هذا القول عن علي بن أبي طالب ﵁، وقال أبو حنيفة: هو حلال للمحرم، وإن صيد من أجله أو أعان على قتله، إلا أن يكون القاتل لا يصل إلى قتله إلا بمعونته، مثل أن يدل القاتل عليه وهو