بين حديث طلحة بن عبيد الله في أكل النبي ﷺ من لحم طائر أهدي إليه وهو مُحْرِم، وبين حديث الصعب بن جَثَّامة في رد النبي ﷺ ما أهدي إليه من رجل حمار وَحْش، وقال:«إنا حُرُم»، فكان مما قال ابن جرير: وقد يجوز أن يكون رده ذلك من أجل أن ذابحه ذبحه أو صائده صاده من أجله ﷺ وهو محرم، وقد بين خبر جابر عن النبي ﷺ بقوله:«لحم صيد البر للمحرم حلال، إلا ما صاده أو صيد له»، معنى ذلك كله: فإذ كان كلا الخبرين صحيحاً مخرجهما [يعني: حديث طلحة، وحديث الصعب]، فواجب التصديق بهما وتوجيه كل واحد منهما إلى الصحيح من وجه، وأن يقال: ردُّه ما ردَّ من ذلك من أجل أنه كان صيد من أجله، وإذنُه في كل ما أَذِنَ في أكله منه من أجل أنه لم يكن صيد لمحرم ولا صاده محرم، «فيصح معنى الخبرين كليهما».
وقال ابن خزيمة في الصحيح (٤/ ١٨١): «في خبر جابر: «لحم الصيد حلال لكم، وأنتم حرم، ما لم تصيدوه، أو يصاد لكم»، دلالة على أن بيض الصيد مباح للمحرم، إذا لم يؤخذ من أجل المحرم؛ لأن حكم بيض الصيد لا يكون أكثر من حكم لحمه». وقال القنازعي في تفسير الموطأ (٢/ ٦٢٥): «هذا الحديث هو نحو حديث أبي قتادة، الذي أباح فيه رسول الله ﷺ أكل ما قد صاده أبو قتادة لنفسه؛ لا لأصحابه المحرمين الذين لم يصيدوه، ولم يُصد من أجلهم».
وقال ابن بطال في شرح البخاري (٤/ ٤٨٩) تعليقاً على حديث الصعب بن جَثَّامة: «وقال إسماعيل بن إسحاق: سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجل النبي ﷺ، ولولا ذلك كان أكله جائزاً. قال سليمان: ومما يدل على أنه صيد من أجله قوله في الحديث: فرده يقطر دماً، كأنه صيد في ذلك الوقت. قال إسماعيل: وأما رواية مالك: أنه أهدي إليه حمار وحش، فلا تحتاج إلى تأويل؛ لأن المحرم لا يجوز له إمساك صيد حي ولا يذكيه، وإنما يحتاج إلى التأويل من روى أنه أهدي إليه بعض الحمار. قال إسماعيل: وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث غير مختلفة، أعني:
حديث البهزي في الحمار العقير، وحديث أبي قتادة، وحديث الصعب، ويفسرها كلها حديث المطلب عن جابر؛ أن النبي ﷺ قال: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصد لكم»، … »، ثم نقل عن بعضهم:«وهذا الحديث يشهد لمذهب مالك أنه أعدل المذاهب وأولاها بالصواب».
وقال الماوردي في الحاوي (٤/ ٣٠٥): «وأما أبو حنيفة؛ حيث ذهب إلى إباحته للمحرم، وإن صيد من أجله»، أو أعان على قتله، فاستدل بأن قال: لأنه صيد لم يضمنه المحرم، فوجب ألا يحرم أكله على المحرم؛ أصله إذا صاده المحل لنفسه بغير معونة المحرم.
والدلالة عليهما [يعني: على من منع المحرم من أكله مطلقاً]، مثل: علي بن أبي