عائشة، ثم ثبوت ذكر الحية من حديث أبي هريرة، كل ذلك يقوي القول بكون المحفوظ عن شعبة هو بذكر الحية، لا بذكر العقرب، والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
ثم يأتي الكلام بعد ذلك على زيادة صفة الأبقع للغراب، فيقال: مثل هذا القيد لا مفهوم له، فلعله خرج على سبيل أن الأبقع يتأكد قتله أكثر من غيره لمزيد ضرره على بقية الغربان، فلا يحمل المطلق هنا على المقيد، وإنما العلة في الأمر بقتل الغراب أكله للجيف، ولذا وصف بالفسق، ويبقى الأمر بقتل الغراب على عمومه في بقية الأحاديث، مثل حديث ابن عمر، وحفصة، وعروة عن عائشة، والقاسم عن عائشة، والله أعلم.
قال ابن حزم في المحلى (٦/ ٧٥): «الأخبار التي فيها عموم ذكر الغراب هو الزائد حكماً، ليس في الذي فيه تخصيص الأبقع ومن قال: إنما عنى رسول الله ﷺ بقوله: «الغراب» الغراب الأبقع خاصة؛ لأنه قد ذكر الغراب الأبقع في خبر آخر: فقد كذب، إذ قفا ما لا علم له به، ونحن على يقين من أنه قد أمر ﵇ بقتل الأبقع في خبر، وبقتل الغراب جملة في خبر آخر، وكلاهما حق لا يحل خلافه».
• قال ابن بطال في شرح البخاري (٤/ ٤٩٣): «وشذَّت فرقة من أهل الحديث، فقالوا: لا يقتل المحرم إلا الغراب الأبقع خاصة، ورووا في ذلك حديثاً عن قتادة، عن ابن المسيب، عن عائشة، عن النبي ﵇، وهذا الحديث لا يعرف من حديث ابن المسيب، ولم يروه عنه غير قتادة، وهو مدلس، وثقات أصحاب سعيد من أهل المدينة لا يوجد عندهم، مع معارضته حديث ابن عمر وحفصة، فلا حجة فيه».
وقال ابن حجر في الفتح (٤/٣٧): «زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم: «الأبقع»، وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره، ثم وجدت ابن خزيمة قد صرح باختياره، وهو قضية حمل المطلق على المقيد، وأجاب ابن بطال بأن هذه الزيادة لا تصح؛ لأنها من رواية قتادة عن سعيد وهو مدلس، وقد شذَّ بذلك، وقال ابن عبد البر: لا تثبت هذه الزيادة، وقال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصح.
وفي جميع هذا التعليل نظر؛ أما دعوى التدليس فمردودة بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم، وهذا من رواية شعبة، بل صرح النسائي في روايته من طريق النضر بن شميل عن شعبة بسماع قتادة، وأما نفي الثبوت فمردود بإخراج مسلم، وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة، بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ، وهو كذلك هنا. نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل، … ».
قلت: ولا يُعارض حديث قتادة عن سعيد عن عائشة، بما روي عن سعيد مرسلاً، أو موقوفاً؛ فإن قتادة أحفظ:
• فقد روى سفيان الثوري [وعنه: وكيع بن الجراح]، ويحيى بن سعيد القطان [وعنه: أبو بكر ابن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل][وهم ثقات أثبات حفاظ]، وحفص بن