للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وهذا هو الظاهر من حال الخثعمية، لأنها سألت النبي بعد منصرفه من المزدلفة إلى منى حيث كان الفضل رديفه، والظاهر من حال من يكون في ذلك الموضع: أنه قد حج، فلذلك لم يستفصل. وعلى أن الخبر اقتضى السؤال عن جواز النيابة في الجملة، فأما مواضعه فغير مقصود بيانها به.

وأما تشبيهه بالدين، فإنما شبهه بقضاء الدين في حق من كان قد حج عن نفسه، والتشبيه في ذلك الموضع صحيح.

وعلى أن النبي شبه النفع الحاصل بقضاء الحج بالنفع الحاصل بقضاء الدين، فيحتاج أن يثبت قضاء الحج حتى يكون نفعه كنفع قضاء الديون.

واحتج بأن هذا مما تصح فيه النيابة، فوجب أن يجوز أداؤه عن غيره قبل أدائه عن نفسه، كالدين والزكاة … .

مع أن الفرق بين الحج وبين الزكاة والكفارة والدين واضح، وذلك أن الاستنابة تصح في هذه الأفعال في جميع أحوال من وجب عليه، سواء عجز عن فعلها في نفسه، أو لم يعجز، كذلك لا تختص بحال للنائب دون حال، وليس كذلك الحج، فإنه لا يجوز أن يستنيب فيه مع قدرته عليه، ويجوز مع عجزه عن نفسه، فلما اختص بحال دون حال لمن وجب عليه، جاز أن يختص بحال للنائب دون حال.

ولأنه إذا نوى إحراماً مطلقاً وعليه فرضه انصرف إليه، ولو أخرج صدقة إلى الفقراء، أو أعتق رقبة، لم ينصرف بإطلاقه إلى الزكاة والكفارة.

ولأن بقاء بعض الدين والزكاة لا يمنع أداء دين غيره، كذلك بقاء جميعه، وليس كذلك الحج، لأن بقاء بعضه عليه، يمنع أداءه من غيره، كذلك بقاء جميعه.

فإن قيل: على هذا كل جزء من الدين والزكاة له حكم قائم بنفسه، لأنه لو أدى جزءاً من الزكاة وقع موقعه، وإن لم يؤد الباقي، وكذلك الدين، وليس كذلك الحج، لأن بعضه لا يثبت حكمه بنفسه، بدليل أنه لو أفسد بعضه، فسد جميعه.

قيل له: لا فرق بينهما، وذلك أنه قد ثبت حكم بعضه بنفسه، ألا ترى أنه لو أحرم، ووقف بعرفة، وأخر طواف الزيارة إلى أن عاد إلى بلده، لم يفسد ما عمله، بل يثبت حكمه؟ وكذلك لو أفسد الطواف، ولم يفسد ما تقدم، فهو كالزكاة والكفارة.

واحتج بأنه لو أحرم عن نفسه في هذه الحال صح إحرامه، كذلك إذا أحرم عن غيره قياساً على من حج مرة.

والجواب: أنه لا يجوز اعتبار من حج مرة بمن لم يحج، كما لم يجز اعتبار من طاف مرة بمن لم يطف في جواز النيابة.

ولأنه إذا حج مرة لم يتعين عليه الحج، وإذا لم يحج يتعين عليه الحج بالحضور، فلم تصح النيابة فيه كالجهاد.

<<  <  ج: ص:  >  >>