فقد نص: أنه لا يجزئ عن الغير، واختلف أصحابنا: هل يقع عن نفسه، أم لا؟
فقال الخرقي: يقع عن نفسه. وهو قول الشافعي. وقال أبو بكر في كتاب الخلاف: لا يقع عن نفسه، ولا عن غيره. فعلى قوله: لا ينعقد الإحرام.
وقال أبو حفص العكبري في شرح الخرقي: ينعقد الإحرام عن المحجوج عنه، ثم يقلبه الحاج عن نفسه.
ونقل محمد بن ماهان في رجل عليه دين، وليس له مال: يحج الحج عن غيره حتى يقضي دينه؟ قال: نعم.
وظاهر هذا: جواز الحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه.
وقال أبو حنيفة ومالك وداود: يجزئ عن الغير.
فالدلالة أنه لا يجزئ عن الغير: ما روى عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: «من شبرمة؟»، قال: أخي، أو قريب لي، قال: «هل حججت قط؟»، قال: لا، قال: «اجعل هذه عنك، ثم حج عن شبرمة».
وروي في لفظ آخر: «فعن نفسك فلب»، وفي لفظ آخر رواه أبو إسحاق الشالنجي، قال: «لب - أو حج - عن نفسك، ثم عن شبرمة». وروي في لفظ آخر: «أيها الملبي عن فلان! لب عن نفسك، ثم عن فلان. وروي … : هذه عنك، ثم حج عن شبرمة».
وهذه الألفاظ كلها نصوص؛ لأنه منعه من الحج عن غيره، وعليه فرض الحج.
فإن قيل: قوله: «حج عن نفسك» يقتضي وجوب استئناف الحج عن نفسه، وعندكم أنه كان حاجاً عن نفسه.
قيل له: قوله: «حج عن نفسك» معناه: استدمه عن نفسك؛ لأنه إذا قيل لمن هو متلبس بالحج: حج، معناه: استدم، كما قيل للمؤمن: آمن، معناه: استدم الإيمان.
فإن قيل: قوله: «اجعلها عنك» يدل على: أن الإحرام كان واقعاً عن شبرمة؛ لأنه لو كان انعقد عنه لما احتاج أن يجعله عن نفسه.
قيل له: قوله: «اجعلها» كناية عن التلبية، وإشارة إليها؛ لأنه رآه يلبي عن شبرمة، فقال: اجعل هذه التلبية عن نفسك؛ فإن الإحرام واقع عنك.
فإن قيل: فلم لا يكون كناية عن الحجة؟ وقد تقدم ذكرها أيضاً؛ لأن في الخبر: «هل حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: اجعلها عن نفسك».
قيل: إنه إنما وجب حمله على التلبية؛ لأنه قد صرح به في لفظ آخر، فقال: «أيها الملبي عن فلان! لب عن نفسك، ثم عن فلان».
وجواب آخر، وهو: أنه لو كان المراد صرف الإحرام عن شبرمة بعد انعقاده عنه إلى نفسه، لكان فيه فسخ حج إلى حج، وذلك غير جائز، فعلم أن المراد به: التلبية، أو المراد به: استدامة الإحرام عن نفسك.