وقال ابن المنذر في الإقناع (١/ ٢٣٨): «وأحب أن يحج المرء عن نفسه، ثم يحج عن غيره، فإن حج عن غيره أجزأ ذلك عن حجه، وعليه حجة الإسلام، ولا يجوز الحج إلا بنية، لدخوله في جملة قول رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنية»، ولا يثبت خبر شبرمة».
فدل ذلك على أن الإحرام لا ينقلب بنفسه، بل لابد له من نية المكلف، وأنه لو تمادى فيه لكان عمن نواه له، ولم يقع عن نفسه، والله أعلم.
• نعود بعد ذلك إلى استكمال أقوال الفقهاء في المسألة:
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في المعونة (٥٠٤): «يكره أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؛ لأن الفرض أولى من النيابة عن الغير، كما يكره أن يتطوع بأداء الزكاة عن غيره قبل أن يخرج الزكاة عن نفسه، ولقوله ﷺ الذي سمعه يحرم عن غيره: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة»».
فإن أحرم عن غيره كان عن من أحرم عنه، ثم يحج بعد ذلك عن نفسه؛ خلافاً للشافعي في قوله: إنها تنقلب عنه فتكون له دون من أحرم عنه، [لقوله ﷺ:«وإنما لامرئ ما نوى»، و]، لقوله ﷺ:«أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك؟»، قالت: نعم، ولم يشترط أن تكون قد حجت عن نفسها.
ولأن كل فعل صحت النيابة فيه بعد سقوطه عن النائب؛ صحت مع بقائه عليه، أصله قضاء الدين، ولأنه قصد الحج عن غيره فصح ذلك، أصله إذا صح عن نفسه، ولأن بقاء الفرض عليه لا يمنعه أن يفعل ما ليس بفرض، أصله إذا صام تطوعاً وعليه قضاء رمضان، ولأنه من أهل الإحرام في الجملة، فإذا قصد بالإحرام أن يكون عن غيره فلم ينقلب عن نفسه، أصله إذا كان قد حج، ولأنه أحرم ينوي به عن شخص فوجب أن يكون عمن نواه، أصله إذا نواه عن نفسه، ولأن كل إحرام انعقد على صفة لم ينقلب إلى غيرها، أصله إذا عقده عن نفسه على صفة لم ينقلب إلى غيرها وانظر: الإشراف (٤٥٨). التفريع في فقه الإمام مالك، لأبي القاسم ابن الجلاب (١٩١/ ١). التبصرة لأبي الحسن اللخمي [(٣٦٥٧/ ٨)].
وقال القاضي أبو يعلى الفراء في التعليقة الكبيرة (١٠٣/ ١): «مسألة: إذا حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه لم يجز عن الغير: نص عليه في رواية صالح وإسماعيل بن سعيد:
فقال في رواية صالح: لا يحج أحد عن أحد لم يحج عن نفسه، وقد بين النبي ﷺ فقال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة»».
وقال في رواية إسماعيل؛ وقد سئل عن الصَّرُورَة أهل بالحج عن غيره؛ قال: لا يحج فإن فعل لا يجزئه ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال لمن لبى عن غيره، وهو صرورة:«اجعلها عن نفسك».