• كما روى سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ ﵂، قالت: خرجنا مع النبي ﷺ، ولا نرى إلا الحج، حتى إذا كنا بسرف أو قريباً منها، حضت، … الحديث. وفي رواية: خرجنا لا ننوي إلا الحج. [أخرجه البخاري (٢٩٤ و ٥٥٤٨ و ٥٥٥٩)، ومسلم (١١٩/ ١٢١١)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٧٥٠)].
• وكما روى أبو خيثمة زهير بن معاوية: حدثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج، معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول الله ﷺ: «من لم يكن معه هدي فليحلل»، … الحديث.
[أخرجه مسلم (١٣٨/ ١٢١٣)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٧٥٠)].
فكان طوافهم بالبيت نفلاً طواف القدوم، فلما أمروا بجعلها عمرة قام مقام طواف العمرة الذي هو ركن، وكان سعيهم عن الحج، فانقلب إلى سعي عن العمرة، لكن وقع ذلك باختيار المكلف ونيته، بل إن الصحابة راجعوا النبي ﷺ في ذلك، وراجعهم حتى أذعنوا وجعلوها عمرة، ثم إنه لم ينتقل من مكلف إلى آخر، فكان الحج مختصاً بمثل هذا، ولهذا فإن المكلف إذا رفض الإحرام بعد انعقاده فإنه لا يخرج منه بنيته بل يلزمه الإتمام بنص الكتاب، وكذلك إذا فسد الحج فإنه لا ينفسخ، ولا يخرج من النسك، بل يلزمه المضي فيه، ثم عليه القضاء بعد ذلك.
فإن قيل: لا يُفسخ حج إلى حج، فيقال: فما تقول في أمر النبي ﷺ أصحابه في حجة الوداع: اجعلوها عمرة؛ ألم يكن ذلك أمراً بفسخ حج الإفراد إلى حج التمتع؟ فهو فسخ حج إلى حج! فإذا صح هذا، صح الفسخ من شخص إلى آخر، والله أعلم.
وقد صح عن مجاهد، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، ويونس بن عبيد: إجازة حج الضرورة عن غيره، كما روي أيضاً عن علي بن أبي طالب بإسناد منقطع، ويأتي ذكره في الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين وغيرهم.
وقال أبو حفص العكبري في شرح الخرقي: ينعقد الإحرام عن المحجوج عنه، ثم يقلبه الحاج عن نفسه. [التعليقة الكبيرة (١٠٤/ ١)].
زاد في الروايتين والوجهين (٢٧٤/ ١): «وهو ظاهر الخبر؛ لأن النبي ﷺ قال له: «اجعلها عن نفسك». فظاهر هذا: الابتداء، ولأنه لا يمتنع مثل هذا وهو إذا أحرم بالحج، لأنه يجوز فسخه إلى العمرة».
ونقل ابن تيمية أيضاً عن أبي حفص العكبري أن أمره بأن يجعلها عن نفسه دليل على انعقاد الإحرام، وذلك أن الإحرام في نفسه صحيح، لكن عليه أن يجعله عن نفسه [شرح العمدة (٤/ ١٧٢ - ط عطاءات العلم)].
ونقل العراقي في طرح التثريب: «وقد ذهب محمد بن جرير الطبري إلى: أن الصَّرُورَة إذا نوى الحج عن غيره لم يقع عن نفسه؛ لأنه لم ينوه عنه، وإنما له ما نواه، ويجب عليه أن ينوي ذلك عن نفسه، والله أعلم [طرح التثريب (٢/ ١٧)].