للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

يرى أنه اللفظ الذي يساعده على إثبات قول إمامه في المسألة، ثم إنه لا يعدو أن يكون قول صاحب، يحتمل أن يكون قاله اجتهاداً من قبل نفسه، وهذا يكثر من ابن عباس، ويحتمل أن يكون استنبطه من نص نبوي أو قرآني، كما يحتمل أن يكون سمع من النبي ما يدل عليه صراحة، والحاصل فهو قول صاحب لا يُعرف له مخالف من الصحابة، فنحن نعمل بما يدل عليه من تقديم حج النفس على الغير لمن لم يحج الفرض، وأن من بدأ فلبي عن غيره فعلى من سمعه وعلم أنه لم يحج عن نفسه أن يأمره أن يبدأ بنفسه أولاً فيحج عن نفسه الفرض، فيلبي عن نفسه، ثم إن شاء في عام قابل فليحج عن غيره، أما إن استمر في تلبيته عن غيره: فقد دلت عموم أدلة الشريعة على بقاء نيته عن غيره، وأن حجه لا يبطل، وأنه لا ينقلب بنفسه، والقول المأثور عن ابن عباس ليس فيه دليل صريح ليكون أصلاً بنفسه يخالف قوله : «إنما الأعمال بالنية، وإنما لكل امرئ ما نوى» [أخرجه البخاري (١ و ٥٤ و ٢٥٢٩ و ٣٨٩٨ و ٥٠٧٠ و ٦٦٨٩ و ٦٩٥٣)، ومسلم (١٩٠٧)].

وحديث الخثعمية دل على أنها كانت حاجة، لكن حديث أبي رزين ليس فيه دلالة ولا سؤال أو استفصال عن كونه حج عن نفسه أو لا، بل أمره أمر إرشاد: «حج عن أبيك واعتمر»، كما لم يقع الاستفصال أيضاً في حديث ابن عباس: أن امرأة نذرت أن تحج، فماتت، فأتى أخوها النبي ، فسأله عن ذلك؟ فقال: «أرأيت لو كان على أختك دين، أكنت قاضيه؟»، قال: نعم، قال: «فاقضوا الله، فهو أحق بالوفاء»، ولا في الرواية الأخرى: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ، أكنتِ قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء».

ومعلوم أن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال؛ فلو كان شرطاً في صحة الحج عن الغير أن يكون حج عن نفسه، لما ترك السؤال، مثلما فعل ابن عباس مع شبرمة؛ فإنه سأله: أحججت عن نفسك؟

كما أن في حديث ابن عباس قرينة على جواز تقديم الغير على النفس، فإن من قضى دين غيره قبل دين نفسه صح وأجزأ، وكذلك هنا لو حج عن غيره قبل نفسه: صح وأجزأ، وليس عندنا نص صريح قاطع على إبطال الحج عن الغير قبل النفس، أو أنه ينقلب بنفسه، إلا أن ينويه عن نفسه.

ثم إن إجابة ابن عباس يعتريها الغموض والإجمال، لأنه لم يبين له ما يفعل، هل يفسخ حجه عن شبرمة بعدما انعقد، ثم يلبي عن نفسه؟ أم أن حجه انعقد عن نفسه وانقلب دون الحاجة إلى نية، وقول الصاحب إذا دخله الاحتمال والغموض والإجمال لا يُعارض به النصوص الكثيرة الصحيحة الثابتة في إجازة الحج عن العاجز أو الميت دون استفصال في غالب الروايات باستثناء قصة الخثعمية إذ كانت حاجة، والله أعلم.

ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن النبي لما أمر الصحابة بالفسخ، كانوا قد طافوا بالبيت معه طواف القدوم، وسعوا بين الصفا والمروة سعي الحج؛ لأن أكثر الصحابة كانوا مفردين:

<<  <  ج: ص:  >  >>