وروى شعبة، قال: سمعت النعمان بن سالم، قال: سمعت عمرو بن أوس، يحدث عن أبي رزين العقيلي؛ أنه قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج والعمرة، ولا الظعن، قال:«فحُجَّ عن أبيك، واعتمر». [أخرجه أبو داود (١٨١٠)، وهو حديث صحيح].
ولم يقع في هذه الأحاديث أن السائل كان في الحج، أو أنه حج قبل ذلك، ولا أن النبي ﷺ استفصل من السائل: أحججت عن نفسك؛ أم لا؟
وأما في قصة الخثعمية: فلا يصلح الاعتراض بها؛ لكون السؤال وقع من السائلة في الحج يوم النحر، فكانت حاجة عن نفسها.
وقال الخطابي في المعالم (٢/ ١٧٢): «فيه من الفقه: أن الصَّرُورَة لا يحج عن غيره حتى يحج عن نفسه، وفيه: أن حج المرء عن غيره إذا كان قد حج عن نفسه جائز، وفيه: أن من أهل بحجتين لم يلزمه إلا واحدة، ولو كان لاجتماع وجوبهما مساغ في وقت واحد لأشبه أن يجمع عليه الأمرين، فدل على أن الإحرام لا ينعقد إلا بواحدة».
ثم أسند حديث الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، موقوفاً على ابن عباس، بلفظ: فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شُبْرُمة، ثم قال:«هكذا قال: عن ابن عباس، لم يذكر فيه النبي ﷺ، وهذا يوجب أن يكون إحرامه عن شُبْرُمة قد انقلب عن فرضه بنفسه.
وقد اختلف الناس في هذا: فقال الشافعي وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: لا يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه، وهو قول الأوزاعي.
وقال أصحاب الرأي: له أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، وقال الثوري نحواً من ذلك، وهو قول مالك بن أنس».
قلت: قول ابن عباس: اجعل هذه عن نفسك؛ دليل على انعقاد الإحرام عن شبرمة، لأن الأعمال بالنيات، ثم أمره أن يقلبه بأن يحول نيته فيجعله عن نفسه، ودل على أن الإحرام لا ينقلب بنفسه حتى ينويه المكلف، هب أن المكلف حج عن غيره ولم يصحح قصده فيجعله عن نفسه، أفيقع عن نفسه دون أن ينويه؟! نعم؛ قالوا بذلك، لكن ليس معنا دليل مرفوع يعتمد عليه في القول بالقلب، وليس معنا سوى قول ابن عباس ﵄ لذي يدل على أن الصرورة لا ينبغي له أن يحج عن غيره حتى يحج عن نفسه، فإذا لبى عن غيره انعقد.
ولو فرضنا بأن عبدة بن سليمان أخطأ في رفع هذا الحديث ووصله بإثبات عزرة، وأصاب في لفظه، فيقال: قد اختلف عليه أيضاً في لفظه، فقال مرة:«حُج عن نفسك، ثم حُجَّ عن شُبرُمةَ»، وقال ثانية:«هذه عن نفسك، ثم حُجَّ عن شُبْرمة»، وقال ثالثة:«فاجعل هذه عنك، ثم حج عن شُبْرُمة، وقال رابعة: فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة».
ولا شك أن الواقعة التي وقعت لابن عباس مع شبرمة لم تتكرر، والذي قاله ابن عباس هو أحد هذه الألفاظ، فليس لأحد أن يتحكم في اختيار واحد منها دون غيرها لأنه