وقد روى ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث؛ أن قتادة بن دعامة حدثه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أنه مر به رجل يهل، فقال: لبيك بحجة عن شُبْرمة، قال: وما شُبْرمة؟ قال: رجل أوصى أن يحج عنه قال: حججت أنت؟ قال: لا، قال: فابدأ أنت، فحج عن نفسك، ثم حج عن شُبْرمة.
ففسد الحديث الأول بذلك، لأنه ذكره في هذا الحديث من قول ابن عباس، وكذلك رواه أيوب وخالد الخزاعي [كذا]، وهو: خالد بن مهران الحذاء، مولى قريش، وقيل: مولى بني مجاشع، عن أبي قلابة، عن ابن عباس من كلامه، لا من كلام النبي ﷺ، وذكرا فيه قصة شبرمة.
فإن قيل: روى ابن أبي ليلى، عن عائشة؛ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يلبي عن شبرمة، قال: «وما شُبْرمة؟»، فذكر قرابة، قال: «أفحججت عن نفسك؟»، قال: لا، قال: «فاحجج عن نفسك، ثم احجج عن شُبْرُمة».
قيل له أيضاً: هذا حديث فاسد؛ لفساد حفظ ابن أبي ليلى، وقد كان شعبة يقول: ما رأيت قط أحداً أضعف حفظاً من ابن أبي ليلى؛ لما كان يأتي به في مثل هذا.
وفي الأحاديث التي في الباب التي قبل هذا ما يدل على صحة قولنا؛ لأن النبي ﷺ لم يسأله: هل حججت عن نفسك؛ أم لا؟ بل جعله كالدين، ومن كان عليه دين فقضى دين غيره من ماله أجزأه، فكذلك الحج عن غيره يجزئ وإن كان عليه حجة الإسلام».
قلت: أما ما ذهب إليه من ترجيح الوقف؛ فهو صحيح، وهو قول صاحب تعددت طرقه، ولا يُعلم له مخالف من الصحابة، فصار حجة.
وأما عدم استفصال النبي ﷺ ممن أجاز له الحج عن أبيه، أو أخته، أو أمه، فهو حجة قوية:
ففي رواية شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، قال: سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن ابن عباس؛ أن امرأة نذرت أن تحج، فماتت، فأتى أخوها النبي ﷺ، فسأله عن ذلك؟
فقال: «أرأيت لو كان على أختك دين، أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فاقضوا الله، فهو أحق بالوفاء».
وفي رواية: قال: أتى رجل النبي ﷺ، فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت؟ فقال النبي ﷺ: «لو كان عليها دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: «فاقض الله، فهو أحق بالقضاء». [أخرجه البخاري (٦٦٩٩)، وتقدم تخريجه تحت الحديث (١٨٠٩)].
ورواه أبو عوانة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء». [أخرجه البخاري (١٨٥٢ و ٧٣١٥)، وتقدم تخريجه تحت الحديث (١٨٠٩)].