تلك الحجة تكون عن نفسه من حجة الإسلام اتباعاً لهذا الحديث، ثم قاسوا عليه إحرام الرجل عن نفسه تطوعاً ولم يكن حج حجة الإسلام قبل ذلك أن حجته تلك تكون عن حجة الإسلام، ولم يقيسوا على ذلك أحكام الصوم في غير رمضان، فقالوا: من صام في رمضان تطوعاً أن ذلك الصوم لا يجزئه من رمضان ولا من التطوع، وقد كان الواجب عليهم إن كان هذا الحديث الذي ذكرنا ثابتاً في الحج أن يقاس عليه صوم التطوع في غير رمضان، فيجعل من رمضان لا من التطوع، كما جعل الحج تطوعاً ممن لم يحج حجة الإسلام عندهم من حجة الإسلام لا من التطوع، بل كان الصوم بهذا أولى، وبذلك الحكم أجزأ؛ لأن رمضان وقت لصوم العباد جميعاً رمضان فيه، لا وقت لصوم غيره فيه، ووقت الحج وقت للحج عن الفرائض وللحج عن النوافل».
قلت: قياس أحكام الصوم على أحكام الحج قياس مع الفارق، إذ لم يأت نهي صريح عن تقديم صوم نفل على قضاء رمضان، بل ظاهر النصوص والمنقول عن الصحابة يدل على جواز تقديم صوم النفل على قضاء رمضان؛ لما ورد من أحاديث في فضل صيام أيام بعينها مثل: ستة من شوال، وعاشوراء، وعرفة، وثلاثة أيام من كل شهر، ويوم الاثنين من كل أسبوع، ولم يأت احتراز في صيامها أن يكون المكلف وخاصة النساء، قد قضى ما فاته من رمضان لعارض مرض أو سفر أو حيض.
كما أن قضاء صوم رمضان من الواجب الموسع، لا يأثم المكلف بتأخيره أياماً وأشهراً، حتى يقضيه قبل رمضان الذي بعده، لما روى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أبي سلمة، قال: سمعت عائشة ﵂، تقول: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان. الشغل من رسول الله ﷺ، أو برسول الله ﷺ[أخرجه البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (١١٤٦)]، فلو صام قبله نفلاً لما كان فيه حرج، ولا ينقلب فرضاً، وأما الحج؛ فإنه إذا حصلت الاستطاعة للمكلف توجه عليه الفرض، وتعين عليه؛ فإذا أهل بالحج وجب عليه أن يؤدي فرض الله عليه؛ كما فهمت الخثعمية الشابة؛ حين قالت: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة تعني أنه لو كان مستطيعاً وأحرم بالحج لما وسعه إلا أن يحج الفريضة.
وأما من صام في رمضان نفلاً؛ فإنه لا ينقلب فرضاً، وذلك لما ورد من حديث حفصة مرفوعاً:«من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»؛ وقد اختلف في رفعه ووقفه، وصوب جماعة الوقف يأتي تخريجه في موضعه من السنن (٢٤٥٤)، إن شاء الله تعالى، فلا بد من تعيين نية الفرض من الليل، وأما الحج فإنه يكفي فيه نية الدخول في نسك الحج، والإحرام به من الميقات على الاختلاف الوارد فيه بين الفقهاء.
كذلك فإن من نوى الفطر ولم يأكل ولم يشرب ولم يجامع فإنه ينتقض صومه، أما إذا رفض الإحرام بعد انعقاده فإنه لا يخرج منه بنيته بل يلزمه الإتمام بنص الكتاب،