يلبي عن شبرمة. وقال مرة أخرى: لا يحج عن الميت إلا من حج عن نفسه.
وسئل عن الرجل يحج عن الميت وغيره بالدراهم؟ قال: مكروه، وشدد فيه.
وسمعته يقول: لا يعجبني أن يحج عن الميت إلا ذو قرابة؛ لأن النبي ﷺ سمع رجلا يلبي عن شبرمة، فقال: «من شبرمة؟»، فذكر أنه قرابة له، فقال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة».
هكذا احتج أحمد بالمرفوع؛ في رواية ابنه صالح، وابن هانيء، لكنه رجح الوقف في رواية الأثرم، ومهنا.
قلت: الذي عندي أنه يقدم قوله في رواية الأثرم ومهنا، وذلك لأمرين: الأول: أنه سئل عن أصح إسناد للمرفوع، وهو حديث عبدة عن ابن أبي عروبة، فخطأ الرفع، وصوب الوقف، والثاني: أنه كان مستحضرا لطرق الحديث الثابتة عنده، وأن أكثرها على الوقف، فاحتج بها على ترجيح الموقوف على المرفوع، فأبان عن حجته في ترجيح الوقف، وذلك بخلاف سؤال صالح وابن هانيء، فإنهما سألاه عن فقه المسألة، لا عن الحديث، فأجاب عن حكم المسألة، واحتج له بالحديث، ومعلوم أن أحمد قد يحتج بالضعيف في مثل ذلك.
قال أبو بكر الأثرم: «قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -: حديث قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: لبيك عن شبرمة. رفعه عبدة - يعني: ابن سليمان؟ فقال: ذاك خطأ، رواه عدة موقوفا - يعني: على ابن عباس -، ليس فيه: عن النبي ﷺ. وذكر مهنا عن أبي عبد الله نحو هذا. [كما عند الضياء في المختارة (١٠/ ٢٤٩)]».
وقال ابن مفلح في الفروع (٥/ ٢٨٥): « … ونقل الأثرم: ذاك خطأ، رواه عدة موقوفا. ونقل مهنا: لا يصح، إنما هو عن ابن عباس.
قال: ورواه إسماعيل عن ابن جريج عن عطاء مرسلا. ورواه هشيم عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن عائشة عن النبي ﷺ. ورواه إسماعيل عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس مرسلا. ورواه هشيم عن خالد عن أبي قلابة عن ابن عباس مرسلا.
قال له مهنا: سمع أبو قلابة من ابن عباس، أو رآه؟ قال: لا، ولكن الحديث صحيح عنه».
قلت: وقوله هنا: ولكن الحديث صحيح عنه، يعني: عن ابن عباس موقوفا عليه، وأن طرقه مع اختلاف مخارجها يقوي بعضها بعضا، فهو يحتج بالموقوف عن ابن عباس، ولا يخالف له من الصحابة في ذلك.
وقال العيني في عمدة القاري (٩/ ١٢٧): «وقال الأثرم: قال أبو عبد الله: رفعه عبدة بن سليمان وهو خطأ، وقد رواه عدة موقوفا على ابن عباس، ليس فيه عن النبي ﷺ، ورواية همام عن قتادة عن سعيد بن جبير موقوف، وكذا قال أبو قلابة عن ابن عباس.