وقال ابن الصلاح في شرح مُشْكِلِ الوسيط (٣/ ٢٩١): «رواه أبو داود بإسناد جيد عن ابن عباس»، قلت: نعم، لكن جرياً على ظاهر السند.
وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ٣٢٧): «علله بعضهم بأنه روي موقوفاً، والذي أسنده ثقة؛ فلا يضره».
وتعقبه ابن القطّان في بيان الوهم (٥/ ٤٥٠) فقال: «فهذا منه تصريح بنقيض المتقدم، واعتماد لرواية من رفعه إذا كان ثقة، ولكنه مع هذا محتاج لمزيد يتبين به أمر هذا الحديث.
وذلك أنه يرويه عن ابن عباس: عطاء، وطاووس، وسعيد بن جبير، ورواية سعيد بن جبير هي المقصود، فإن اللفظ المذكور هو من طريقه عند أبي داود الذي نقله من عنده، رواه كذلك: سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عَزْرَةَ - هو ابن عبد الرحمن -، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
فأصحاب سعيد بن أبي عروبة يختلفون، فقوم منهم يجعلونه مرفوعاً، منهم: عبدة بن سليمان، ومحمد بن بشر، والأنصاري.
وقوم يقفونه، منهم: غندر، وحسن بن صالح.
والرافعون ثقات، فلا يضرهم وقف الواقفين له؛ إما لأنهم حفظوا ما لم يحفظوا، وإما لأن الواقفين رووا عن ابن عباس رأيه، والرافعين رووا عنه روايته» [وانظر أيضاً: (٥/ ٧٣٨)].
قلت: ليس الأمر كما وصف، وراجع كلامي في تعقب البيهقي.
وقال ابن تيمية في شرح العمدة (٤/ ١٧٠ - ط عطاءات العلم): «فإن قيل: هذا الحديث موقوف على ابن عباس، ذكر الأثرم عن أحمد: أن رفعه خطأ، وقال: رواه عدة موقوفاً على ابن عباس، وهو مشهور من حديث قتادة عن عَزْرة عن سعيد بن جبير، وقد قال يحيى: عَزْرة لا شيء.
قلنا: قد تقدم أن أحمد حكم بأنه مسند، وأنه من قول رسول الله ﷺ[يعني قول أحمد في رواية صالح: «لا يحج أحد عن أحد حتى يحج عن نفسه، وقد بين ذلك النبي ﷺ فقال: «حج عن نفسك، ثم عن شُبْرُمة»]، فيكون قد اطلع على ثقة من رفعه، وقد رفعه جماعة. على أنه إن كان موقوفاً فليس لابن عباس مخالف».
قلت: توجيه ابن رجب أوجه، وهو أن أحمد حكم عليه بالوقف، ثم عمل بالحديث، يعني: الموقوف، وهو الوجه الثاني الذي جعله شيخ الإسلام احتمالاً، وسوف يأتي الكلام عن ذلك في آخر طرق الحديث، إن شاء الله تعالى.
وقال ابن مفلح في الفروع (٥/ ٢٨٥): «فمن يصححه يقول: تفرد برفعه متصلاً عبدة، وقد تابعه غيره، وهو من رجال الصحيحين الأثبات، والزيادة مقبولة، وعَزْرة هو: ابن ثابت، كما في إسناد ابن ماجه، وهو من رجال الصحيحين، ومن يضعفه يقول: