الرابع: أن هذه الأحاديث تقتضي جواز فعل الحج المفروض عن الميت، سواء وصى بذلك أو لم يوص، وسواء كان له تركة أو لم يكن؛ لأن النبي ﷺ لم يسألهم عن تركة خلفوها، وتقتضي أن ذلك يجزئ عنه، ويؤدي عنه ما وجب عليه، وهذه الأحكام بعينها أحكام ديون الآدميين.
الخامس: أن النبي ﷺ أمر الولي أن يحج عنه، والأمر يقتضي الوجوب، لاسيما وقد شبهه بالدين الذي يجب قضاؤه من تركته، ولما كان الدين يجب قضاؤه إن كانت له تركة، ويستحب قضاؤه إذا لم تكن له تركة، فكذلك الحج.
وأيضاً فقد تقدم إجماع الصحابة أنه إذا مات وعليه صيام من رمضان أطعم عنه، كما يطعم عن نفسه إذا كان شيخاً كبيراً، فإذا وجب الإطعام في تركته فكذلك يجب الحج من تركته، ولا فرق.
وأيضاً فإن الحج حق مستقر في حياته تدخله النيابة، فلم يسقط بالموت كديون الآدمي؛ ولأنه حق واجب تصح الوصية به، فلم يسقط بالموت كديون الآدميين»، …
إلى أن قال:«فهذا الذي أخر الحج حتى مات، إن لم يُفعل عنه لحقه وعيد ترك الحج بالكلية، وإن فعل عنه أجزأ عنه نفس الحج، وبقي إثم تأخيره وتفريطه فيه وترك فعله، كما يبقى على من يقضي الدين إثم المطل وأشد».
وقال ابن حجر في الفتح (٤/ ٦٩): «وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز الحج عن الغير، واستدل الكوفيون بعمومه على جواز صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره، وخالفهم الجمهور، فخصوه بمن حج عن نفسه، واستدلوا بما في السنن وصحيح بن خزيمة وغيره من حديث ابن عباس أيضاً؛ أن النبي ﷺ رأى رجلاً يلبي عن شبرمة، فقال: «أحججت عن نفسك؟»، فقال: لا، قال:«هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة»».
واستدل به على أن الاستطاعة تكون بالغير كما تكون بالنفس، وعكس بعض المالكية فقال: من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب، وأجابوا عن حديث الباب بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع، وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنية فلا تصح النيابة فيها كالصلاة، وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة، قالوا: ولأن العبادات فرضت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن فبه يظهر الانقياد أو النفور، بخلاف الزكاة فإن الابتلاء فيها بنقص المال، وهو حاصل بالنفس وبالغير، وأجيب بأن قياس الحج على الصلاة لا يصح؛ لأن عبادة الحج مالية بدنية معاً فلا يترجح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازري: من غلب حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة، ومن غلب حكم المال ألحقه بالصدقة، وقد أجاز المالكية الحج عن الغير إذا أوصى به، ولم يجيزوا ذلك في الصلاة، وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع؛ لأنه يوجد في الأمر من بذله المال في الأجرة.