وقال في شرح العمدة (٤/ ٨٢ - ٩٣ - ط عطاآت العلم): «مسألة: فمن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة.
وجملة ذلك: أن من وجب عليه أن يحج بنفسه أو نائبه في حياته، ففرط في ذلك حتى مات، وله تركة وجب أن تخرج من ماله حجة وعمرة؛ إذا قلنا بوجوبها وهو المشهور في المذهب.
وكذلك من وجب عليه ولم يفرط، وهو من كان به مرض يرجى برؤه، أو كان محبوسا، أو ممنوعا، أو كان بطريقه عاقة، أو ضاق الوقت عن حجه وعمرته، أو لم يكن للمرأة محرم، إذا قلنا بوجوب الحج في ذمتهم، ويكون هذا الحج دينا عليه؛ يخرج من رأس ماله مقدما على الوصايا والمواريث.
هذا مذهب أحمد، نص عليه في غير موضع وأصحابه، كما قلنا مثل ذلك في الزكاة والصيام؛ لأن الحج دين من الديون، … »، ثم ساق أحاديث الباب، ثم قال:«وإذا كان بمنزلة الدين … أخرج عنه من صلب المال»، ثم ساق الأحاديث، ثم قال:
«فوجه الدلالة من هذه الأحاديث من وجوه:
أحدها: أن النبي ﷺ أمر بفعل حجة الإسلام والحجة المنذورة عن الميت، وبين أنها تجزئ عنه، وهذا يدل على بقائها في ذمته، وأنها لم تسقط بالموت، وأنها تؤدى عنه بعد الموت. وكل ما يبقى من الحقوق بعد الموت ويؤدى بعد الموت، فإنه يجب فعله عنه إذا كان له ما يفعل منه، …
الثاني: أن النبي ﷺ بين أن الحج دين في ذمته، وكل من عليه دين فإنه يجب أن يقضى عنه من تركته بنص القرآن.
الثالث: قوله: «اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء»، وقوله في حديث آخر عن الصوم:«فحق الله أحق»، إما أن يكون معناه: أن قضاء دين الله أوجب من قضاء دين الآدمي، كما فسره بذلك القاضي وغيره من أصحابنا؛ لأن وجوبه أوكد وأثبت. ويرجح هذا المعنى أن وجوب الحج والزكاة آكد من وجوب قضاء دين الآدمي؛ لأنهما من مباني الإسلام، مع ظاهر قوله:«فالله أحق بالوفاء»، فعلى هذا إذا وجب قضاء دين الآدمي من تركته فلأن يجب قضاء دين الله أولى وأحرى.
وإما أن يكون معناه: إذا كان قضاء دين الآدمي يجزئ عنه بعد الموت فدين الله أحق أن يجزئ؛ لأن الله تعالى كريم جواد، ومن يكون أحرى بقبول القضاء فحقه أولى أن يقضى؛ لأنه أجدر أن يحصل بقضائه براءة الذمة، ويرجح هذا المعنى أن القوم إنما سألوه عن جواز القضاء عن الميت لا عن وجوبه عليهم، فعلى هذا إذا وجب فعل الدين عنه لبقائه وكونه يجزئ عنه بعد الموت، وجب قضاء الحج ونحوه عنه لبقائه وكونه يجزئ بعد الموت، لأن معناهما واحد.