به؟ وليس هذا القول من رسول الله ﷺ من باب القياس في ورد ولا صدر، وإنما هو تسوية بين وجوب الحكمين في أن كليهما دَين فقط، وإخبار منه ﷺ بأن ديون الله تعالى أوكد من ديون الناس بخلاف ما يقول خصومنا، وبالله تعالى التوفيق.
ومن العجب أنهم قالوا: إن أوصى بأن يحج عنه حج عنه حينئذ؛ لأنه قد أمر به فدخل في سعيه الذي قال الله تعالى ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فيقال لهم: ما تقولون إن أوصى أن يصام عنه؟ فعن قولهم: لا يصام عنه، فيقال لهم: قد نقضتم علتكم الفاسدة في قولكم: إنه دخل بوصيته به في جملة سعيه، فقولوا أيضاً: إنه قد دخل الصوم بوصيته به في جملة سعيه.
فقال قائل منهم: إن الحج له تصرف في المال، فلذلك جاز أن يؤدى عنه. فيقال لهم وبالله تعالى التوفيق: هذه الحجة، من أتاكم بها؟! ومن أين أصلتم هذا الأصل الفاسد؟ وقد أريناكم أنه فاسد بأنه دعوى مجردة بلا دليل، وأن الدليل يفسدها، وقد جاء النص في وجوب الصيام عن الميت، كما جاء في الحج عنه ولا فرق، وليس ما ادعوه من المنع من الصلاة عن الميت إجماعاً؛ بل قد قال بإيجاب الصلاة عن الميت طائفة، وهم أول من يقول بذلك، فيجيزون الصلاة عند المقام في الحج عن الميت إذا أوصى بذلك، وأن يرتب الصلاة بعرفة ومزدلفة رتبة ما على الميت، وهذا ضد ما ادعوه إجماعاً، فقد قرروا على أنفسهم بمخالفتهم الإجماع.
وأما نحن فلسنا نقول إلا بما صح عن النبي ﷺ فقط، فأمر ﷺ بالحج عن الميت، وعن العاجز، وبالصيام عن الميت، وبقضاء النذر عن الميت، فنقول بذلك، وكل ذلك عندنا من رأس المال، ومقدم على ديون الناس، وعلى الوصايا، ولا شيء للديون إلا ما فضل عن ديون الله تعالى، ولم يأت عن النبي ﷺ أن يؤدى عن أحد الصلوات الخمس، فلم نقل بذلك، ولو جاء بذلك نص لقلنا به، ولكنا نقول: من نذر صلاةً فمات قبل أن يقضيها فواجب على وليه أن يقضيها عنه؛ لأن النبي ﷺ أمر بقضاء النذر عن الميت. فإن قالوا: إن ابن عمر، والقاسم، وإبراهيم، وأيوب لم يروا الحج عن الميت، قيل لهم: أنتم أول من خالفهم فأجزتم الحج عن الميت، فكيف تحتجون بشيء تخالفونه؟ وهذا من الجرأة ما هو وحتى لو وافقتموهم وقلتم بالمنع من الحج عن الميت، فقد خالف من ذكرنا غيرهم مثلهم إذ قد أوجبه قتادة، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد، وسفيان الثوري، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والأوزاعي، والحسن بن حي، قالوا: أوصى أو لم يوص، والزهري قال ذلك في الزكاة، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، وأصحاب الظاهر، قالوا ذلك في الحج والزكاة وجميع ديون الله، ولا حجة في أحد مع رسول الله ﷺ.
وقال أبو يعلى الفراء في التعليقة الكبيرة (١/ ٨٠): «مسألة: إذا مات وعليه حجة الإسلام، لزم الورثة أن يحجوا عنه من صلب المال من دورية أهله، سواء وصى بذلك، أو