وقال الشافعيون: إنما يلزمه ذلك إذا كان له زاد وراحلة، وهذا خطأ لأنه ليس في حديث أبي رزين: أنه كانت له راحلة، ولا في حديث عبيد الله بن العباس أيضاً؛ فهذه زيادة فاسدة.
فإن قيل: إنما جاءت هذه الأحاديث في شيخ كبير، وعجوز كبيرة، فمن أين تعديتم ما فيها إلى كل من لا يستطيع الحركة بزمانة، أو مرض، ولم يكن شيخاً كبيراً؟ قلنا: ليس كل شيخ كبير تكون هذه صفته، وإنما يكون بهذه الصفة من غلبه الضعف، وإنما أمر ﵇ بذلك فيمن لا يستطيع ثباتاً على الدابة، وليس للشيخ هنالك معنى أصلاً.
وأيضاً: فإنه ليس للشيخ حد محدود إذا بلغه المرء سمي شيخاً، ولم يسم شيخاً حتى يبلغه، ودين الله تعالى لا يتسامح فيه، ولا يؤخذ بالظنون الكاذبة المفتراة المشروع بها ما لم يأذن به الله تعالى، ولو كان للشيخ في ذلك حكم لبين رسول الله ﷺ حده الذي به ينتقل حكمه إلى أن يُحَجَّ عنه كما أثبت ذلك فيمن لا يستطيع الثبات على الدابة، ولا المشي إلى الحج؛ فصح أنه ليس للشيخ في ذلك حكم أصلاً، وإنما الحكم للعجز عن الركوب والمشي فقط، وبالله تعالى التوفيق، فكان هذا استطاعة للسبيل مضافةً إلى القوة بالجسم وبالمال».
وقال أيضاً (٥/ ٣٤) (٧/ ٤٣٠ - ط بشار): «وقالوا: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]،» ثم قال: «هذه سورة مكية بلا خلاف، وهذه الأحاديث كانت في حجة الوداع، فصح أن الله تعالى بعد أن لم يجعل للإنسان إلا ما سعى؛ تفضل على عباده وجعل لهم ما سعى فيه غيرهم عنهم بهذه النصوص الثابتة.
وقال بعضهم: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
قال علي: إذا أمر الله تعالى أن تزر وازرة وزر أخرى لزم ذلك، وكان مخصوصاً من هذه الآية؛ وقد أجمعوا معنا على أن العاقلة لم تقتل وأنها تغرم عن القاتل، ولم يعترضوا على ذلك بهذه الآية، وليس هو إجماعاً؛ فإن عثمان البتي لا يرى حكم العاقلة.
وأيضاً: فإن الذي أتانا بهذا هو الذي افترض أن يُحَجَّ عن العاجز والميت، وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠]، وهم يجيزون الحج عن الميت إذا أوصى بذلك، والصدقة عن الحي والميت، والعتق عنهما أوصيا بذلك أو لم يوصيا، ولو يعترضوا في ذلك بهذه الآية.
فإن قالوا: لما أوصى بالحج كان مما سعى؟ قلنا لهم فأوجبوا بذلك أن يصام عنه إذا أوصى بذلك؛ لأنه مما سعى.
فإن قالوا: عمل الأبدان لا يعمله أحد عن أحد؟ قلنا: هذا باطل ودعوى كاذبة، ومن أين قلتم هذا؟ بل كل عمل إذا أمر النبي ﷺ به أن يعمله المرء عن غيره وجب ذلك على رغم أنف المعاند.
فإن قالوا: قياساً على الصلاة قلنا: القياس باطل كله، ثم لو صح لكان هذا عليكم