قالت: إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً؛ لم ينكر النبي ﷺ قولها: إن الفرض لزمه، وهو شيخ، ومعلوم أنه لم يلزمه بنفسه، إذ أجاز لها أن تحج عنه.
فإن قيل: فإنما يدل هذا على سقوط الحج عمن لا يمكنه الثبوت على الراحلة، والمقعد والزمن قد يمكنهما القعود في المحمل.
قيل له: إذا لم يمكنهما الركوب والنزول، وشد المحمل بأنفسهما؛ لم يلزمهما، فقد دل خبر الخثعمية على هذا، من حيث لم يأمرها النبي ﷺ بحمله في هودج أو محمل، والمقعد ومن لا يثبت على الراحلة يثبت في الهودج، فدل ذلك على ما وصفنا.
فإذا حج عنه غيره، ومات قبل الصحة أجزأه لدوام العذر الموجب لجواز الحج عنه، وإن صح: لم يجزه، حتى يحج بنفسه، لزوال العذر، ووجود الصحة التي يتعلق بها فرض الحج.
فإن قيل: هلا كان بمنزلة المريض إذا صلى قاعداً في أول الوقت، ثم برئ قبل مضي الوقت، فلا يلزمه الإعادة.
قيل له: لأن صلاة المريض صلاة صحيحة عن نفسه، فصح أداؤها على الوجه الذي فعلها، ولا يؤثر بعد ذلك زوال العذر فيما قد صح، إذ لم يكن عليه فرض غيرها في حال الأداء، وأما إذا حج عنه غيره، فإنما وقع الحج عن الحاج، والذي لحق المحجوج عنه أجر النفقة، والنفقة لا تنوب عنه في سقوط فرض الحج عنه مع الإمكان، إذ لم يصح له الحج رأساً. وكذلك يقول أصحابنا في الحج عن الميت، أن الميت إنما يلحقه أجر النفقة، وأما الحج فهو للحاج؛ لأنه عبادة على البدن كالصلاة والصوم والإيمان، فلا ينوب عنه غيره فيها».
وقال الخطابي في أعلام الحديث (٨٣١/ ٢): «فيه من الفقه: جواز حج الإنسان عن غيره، وهو قول أكثر أهل العلم، ولم يجوزه مالك بن أنس، وهو راوي الحديث، والحديث حجة عليه، وفيه جواز حج المرأة عن الرجل، وقد أباه بعض من يجيز حج المرء عن غيره، من أجل أن المرأة تلبس القميص، والسراويلات، والخفاف، وتغطي رأسها، ولا يباح شيء منها للرجل».
وقال في أعلام الحديث (٢/ ٩٢٢): «فيه دليل على أن الحجة الواجبة من رأس المال كالدين الواجب، وإنما تقضى، وإن لم يوص بها، وذهب بعضهم إلى أنها لا تقضى إلا أن يوصى بها، فإذا أوصى بها كان مقدماً على الديون. وقال آخرون: هي أسوة سائر الديون، والقول الأول أولى، وإليه ذهب الشافعي».
وقال ابن حزم في المحلى (٥/ ٣٤)(٧/ ٤٢٧ - ط بشار): «فبين في هذه الأخبار أن من لم يكن قط صحيحاً فإن فريضة الحج لازمة له إذا وجد من يحج عنه؛ لأنه ﵇ سمع قول المرأة عن أبيها: إن فريضة الحج أدركته وهو شيخ كبير لا يستطيع الثبات على الراحلة، فلم ينكر ذلك عليها، ولا على أبي رزين مثل ذلك في أبيه؛ فصح أن الفرض باق على هذين إذا وجدا من يحج عنهما.