وقال الطحاوي في أحكام القرآن (٢/ ١٤): «فكان هذا السؤال من هذه السائلة، أو من هذا السائل لرسول الله ﷺ عن كبير عاجز بالكبر الذي لا يرجى خروجه منه إلى صحة يصل بها إلى الحج، فأجاب رسول الله ﷺ الذي سأله منهما بما ذكر من جوابه إياه في هذه الآثار التي رويناها، وكان ذلك عندنا - والله أعلم - على أن رسول الله ﷺ لم يرفع فرض الحج عن ذلك الكبير بعجز بدنه عن الوصول إلى البيت، إذ كان واجدا من يؤدي عنه الحج إليه، وكان ترك رسول الله ﷺ عندنا - والله أعلم - سؤال من سأله عن ذكرنا: هل لأبيك من المال ما يمكنه أن يحج منه غيره عن نفسه أم لا؛ لما رأى من بذل سائله نفسه للحج عن أبيه، لأن أباه قد صار بذلك في حكم الواجدين لمن يحج عنه، فاكتفى رسول الله ﷺ عن كشف أحواله بذلك عما سواه، ووقفنا بذلك على أن رسول الله ﷺ قد أخرج حكم الحج من حكم العبادات التي على الأبدان سواه، مثل الصلاة التي لا يقضيها أحد عن أحد، فجعل للعاجز عن تأدية الحج ببدنه أن يحج غيره عنه، لأنه قد أمر الخثعمي أو الخثعمية بالحج عن أبيه أو عن أبيها، وفي إطلاقه ذلك للمرأة في حديث علي والفضل دليل على أن حج الرجل أحرى أن يكون فيه كذلك، مع أن الصحيح في الذي سأل رسول الله ﷺ عما سأله عنه من ذلك، هو ما في حديث علي والفضل على أنه امرأة، لا في حديث ابن الزبير، لأن رسول الله ﷺ قد لوى عنق الفضل لما أقبل ببصره على ذلك السائل حتى قال له العباس: لويت عنق ابن عمك فقال: «إني رأيت شابا وشابة فلم آمن من الشيطان عليهما»، ولما استدللنا في كتابنا هذا أن السبيل إلى الحج هي الوصول إليه، كان من كان غير واصل إلى الحج ممن لم تلحقه فريضة الحج بالكتاب، ولكن لحقته بالسنة، فكان حكمه في حج غيره كحكمه في حجه عن نفسه لو كان قادرا على ذلك، وثبت بما في كتاب الله ﷿ الحج على الواصلين، وثبت بسنة رسول الله ﷺ الحج على العاجزين الواجدين من يحج عنهم، ولم يعد ذلك المكلفين البالغين الأصحاء العقول الأحرار من الرجال، فأما النساء فإنهن لا يكن واجدات للسبيل إلا بما ذكرنا وبوجود الأزواج، أو ذوي المحارم المحرمات، الذين يخرجون معهن».
وقال أبو بكر الجصاص في شرح مختصر الطحاوي (٢/ ٤٨٠): «وإذا وجد الزاد والراحلة، ولم يكن ممن يقدر على المشي والركوب لزمان به لم يلزمه فرض الحج بنفسه، ولزمه في ماله».
والدليل على صحة ذلك أيضا: حديث الزهري، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس ﵄؛ أن امرأة من خثعم سألت النبي ﷺ، فقالت: إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال:«نعم حجي عن أبيك».
فدل هذا الخبر على معنيين: أحدهما: أن العاجز عن الركوب والمشي لا حج عليه في نفسه. والثاني: أنه إذا كان له مال: لزمه في ماله أن يحج عنه غيره، وذلك لأنها لما