وَالمَناكِير، وعلى هذا فالأرجح: ما اعتمده البخاري نفسه في صحيحه، حيث روى الحديث عن الزهري بالوجهين، من مسند ابن عباس، ومن مسند الفضل، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وقال ابن عدي في الموضع الأول:«ولا أعلم لسنان عن عمته عن النبي ﷺ غير هذا، وهذا يُروى عن سنان من هذا الطريق الذي ذكرته»، وقال في الموضع الثاني لما أخرجه في ترجمة محمد بن كريب، قال بأنه مما يحتمل؛ قلت: قوله الأول هو الصواب، وهذا من عجائب وغرائب محمد بن كريب التي تفرد بها عن أبيه كريب، وهو حديث منكر.
لكن قال ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ (٢/ ٩٩٨/ ١٩١٥) في تلخيصه لكامل ابن عدي: «رواه سنان بن عبد الله الجهني، عن عمته: قال البخاري: سنان الجهني: حديثه عن عمته منكر»، ثم قال:«وهذا ربما وقع الإنكار فيه من محمد بن كريب؛ لأنه غير حجة، لا من سنان، غير أن ابن عدي أورده في ترجمة سنان»، قلت: وهذا يصدق ما ذهبت إليه في توجيه إنكار البخاري، وأنه أنكر الحديث على محمد بن كريب، وليس على سنان.
وقال ابن حجر في الفتح (٤/ ٦٥): «وأما ما روى ابن ماجه [كذا قال، ولم أقف عليه عند ابن ماجه، ولا على من عزاه إليه، فهو وهم فيما يظهر] من طريق: محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس، عن سنان بن عبد الله الجهني؛ أن عمته حدثته؛ أنها أتت النبي ﷺ فقالت: إن أمي توفيت وعليها مشي إلى الكعبة نذراً، الحديث. فإن كان محفوظاً حمل على واقعتين؛ بأن تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة، وبأن تكون عمته سألت بنفسها عن حجة أمها المنذورة، ويفسر «من» في حديث الباب [يعني: حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن امرأة من جهينة]: بأنها عمة سنان، واسمها غايثة كما تقدم، ولم تسم المرأة ولا العمة ولا أم واحدة منهما» [وانظر أيضاً: هدي الساري (٣٤٣)].
قلت: كذا قال، وهو خلاف التحقيق، فكيف يجمع بين الحديث الصحيح الثابت: حديث أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال:«نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء». [أخرجه البخاري (١٨٥٢)، وتقدم تخريجه في طرق حديث سعيد بن جبير]، أقول: كيف يجمع بين هذا، وبين الحديث المنكر، شبه الباطل الذي تفرد به رجل يروي المناكير والعجائب عن أبيه؟!
وقال في اللسان (٤/ ١٩٣) في ترجمة سنان، بعد أن ذكر حديثه هذا: «قال البخاري: منكر الحديث. انتهى. وذكره ابن عدي، وقال: لا أعلم له غيره، وذكره ابن