بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعةً»، قالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمينا الحج؟ قال:«افعلوا ما آمركم به، فإني لولا أني سقتُ الهدي، لفعلتُ مثل الذي أمرتكم به، ولكن لا يحِلُّ مني حرام، حتى يبلغ الهدي محله»، ففعلوا.
أخرجه البخاري (١٥٦٨)، ومسلم (١٤٣/ ١٢١٦)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٧٨٩)، وراجع هناك بقية طرقه وألفاظه.
• ومما ذكره في الوجه السابع عشر، وقد سبق الرد عليه في تعقبي لابن حزم، فتيا ابن عباس، وقوله في آخرها:«سنة نبيكم، وإن رغمتم»، فلا يراجعونه، وقد سبق أن قررت أن هذا فهم فهمه ابن عباس من أمر النبي ﷺ أصحابه بالإحلال، وأن ابن عباس لم يُقر على فهمه هذا، بل أنكر عليه، وتوارد النكير عليه في ذلك:
فقد كان عروة ينكر على ابن عباس أن من طاف بالبيت فقد حل، وقد استدل على خلاف ذلك بفعل عامة الصحابة، فهذا أبو بكر وعمر وعثمان والزبير وابن عمر ومعاوية أفردوا الحج، وكذلك فعل المهاجرون والأنصار، أفردوا ولم يحلوا، فهل كان هؤلاء جميعاً يجهلون السنة، ويعملون بخلافها، بل إن فعلهم ليدل على عدم وجوب الفسخ المدعى، وهم كانوا أعلم برسول الله ﷺ وبسنته وبمراده بما قال في الحج من ابن عباس وأبي موسى، ومن أولى أن يخطأ في فهمه ابن عباس وأبو موسى، أم كبار الصحابة وفيهم الخلفاء الراشدون؟!
ومما يؤكد صحة رواية أبي الأسود عن عروة:
ما رواه شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا حسان الأعرج، قال: قال رجل من بني الهجيم لابن عباس: ما هذه الفتيا التي قد تشعفت أو تشعبت بالناس، أن من طاف بالبيت فقد حل؟ فقال: سنة نبيكم ﷺ، وإن رغمتم. [أخرجه مسلم (١٢٤٤/ ٢٠٦)، وقد سبق تخريجه تحت الحديث السابق برقم (١٧٩٢)].
فالعجب ممن يرى تتابع الإنكار على ابن عباس في فتياه هذه، وأن عمل جمهور الصحابة بخلافه، ثم يدع قول الجمهور، ويذهب إلى فهم ابن عباس!
فإذا وضعنا في الاعتبار كون عروة - في رواية أبي الأسود عنه - إنما يقصد بهذا السياق الرد على هذه الفتيا التي انتشرت في الناس عن ابن عباس، وأنه ينسبها إلى رسول الله ﷺ، وإنما هي اجتهاد منه أن من طاف بالبيت فقد حلّ، شاء أم أبي! يظهر لنا المراد من هذا السياق، وهو أن عروة قصد إلى إبطال قول ابن عباس، وأن هؤلاء جميعاً كانوا أعلم برسول الله ﷺ من ابن عباس، في إباحة إفراد الحج، وأن من دخل مكة حاجاً مفرداً؛ فإنه لا يلزمه الفسخ، حيث عمل الخلفاء الراشدون؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، والزبير بن العوام، وعبد الله بن عمر، ومعاوية بن أبي سفيان، والمهاجرون والأنصار، عملوا جميعاً بالإفراد من غير نكير، ولم يفسخوا حجهم إلى عمرة، حيث طافوا بالبيت طواف القدوم، ثم لم يحلوا، وإنما أتموا حجهم، فلم يحلوا منه إلا يوم النحر، وذلك