لبيان أن المكلف مخير بين الأنساك الثلاثة، وأن الإفراد لم ينسخ، ولهذا فقد احتج شيخ الإسلام ابن تيمية بهذا الحديث على أن الخلفاء الراشدين بعد النبي ﷺ قد أفردوا الحج [انظر: شرح العمدة (٤/ ٣٣٢)]، والله أعلم.
ومما قلت أيضاً عند الحديث رقم (١٧٩١) مما يبين أن ابن عباس أفتى بفتياه التي شغبت في الناس، بفهم فهمه هو من كلام النبي ﷺ:
قلت: وقول ابن عباس هنا: كذلك سنة الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، لا يشمل ما تقدم ذكره من فتيا ابن عباس، فلا نحكم له بالرفع، وإنما هو فهم فهمه ابن عباس من الكتاب، ومن أمر النبي ﷺ من لم يسق الهدي من الصحابة أن يحِلُّوا من حجهم الحلّ كله، وقد علل ذلك النبي ﷺ بقوله:«فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»؛ وذلك فيما رواه شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة». [أخرجه مسلم (١٢٤١/ ٢٠٣)، وتقدم برقم (١٧٩٠)].
ففهم ابن عباس من ذلك الدخول دخول لزوم لا ينفك أبداً عن المكلفين، وأنه قد ترتب عليه نسخ نسك الإفراد، وأن كل من دخل مكة حاجاً ولم يسق الهدي؛ فقد حلَّ من إحرامه بمجرد فراغه من الطواف والسعي وصارت عمرة؛ شاء ذلك أو أبى.
والصواب في ذلك: أن النبي ﷺ إنما أراد إعلام الصحابة بجواز دخول العمرة في أشهر الحج، وقوله: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، يعني: لا بأس بالعمرة في أشهر الحج، سواء بمجرد الاعتمار في أشهر الحج؛ كما فعل ﷺ في عمرة القضية وعمرة الجعرانة، أو جواز دخول العمرة مع الحج في أشهر الحج بالقران والتمتع، وهذا هو ما فهمه الخلفاء الراشدون الأربعة وغيرهم من كبار الصحابة.
والدليل على أن ذلك كان استنباطاً من ابن عباس، ولم يكن هذا نص ما قاله النبي ﷺ: ما رواه يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن بكر البرساني، وروح بن عبادة، وأبو عاصم الضحاك بن مخلد، وعمرو بن محمد العنقزي، وعثمان بن الهيثم: أخبرنا ابن جريج: أخبرني عطاء، قال: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حلّ، قلت لعطاء من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، قال: قلت: فإن ذلك بعد المعرف، فقال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعرَّف وقبله، وكان يأخذ ذلك من أمر النبي ﷺ، حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع. لفظ البرساني [عند مسلم].
ولفظ القطان [عند البخاري]: قال: حدثني عطاء، عن ابن عباس: إذا طاف بالبيت فقد حلّ، فقلتُ: من أين قال هذا ابن عباس؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ يَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ومن أمر النبي ﷺ أصحابه أن يحلوا في حجة الوداع، قلت: إنما كان ذلك بعد المعرف قال: كان ابن عباس يراه قبل وبعد.