يهل بعمرة وحجة فليفعل. فأي بيان لجواز العمرة قبل الحج أبين من هذا، وقد أحرم كثير منهم بالعمرة قبل الحج بإذنه؟
وأيضاً: فإنه ﷺ إما أن يكون قد عزم على أمرهم بالتمتع قبل الإحرام، أو في أثناء الطريق، فإن كان قد عزم عليه أولاً؛ فلأي شيء لم يأمرهم أن يحرموا كلهم بالعمرة، ويترك هو سوق الهدي كما قد أسف عليه، ويريحهم من مؤونة الفسخ الذي هو على خلاف ظاهر القرآن على زعم من يقول ذلك؟ وإن كان عزم عليه في أثناء الإحرام فلا بد أن يكون قد بدا له ما لم يكن قد بدا له قبل ذلك، وهو لم يبد له بيان جواز الاعتمار قبل ذلك، فإنه قد بين ذلك قبل هذا، فعلم أن الذي بدا له جواز الإحلال من هذا الإحرام بعمرة، وأن يكونوا كلهم متمتعين، وأن الفضل في ذلك.
قال طاووس: خرج رسول الله ﷺ ينتظر القضاء في حجته، فلما قدم طاف بالبيت
وبين الصفا والمروة، فنزل عليه القضاء، فأمر من لم يكن معه هدي أن يحل، قال: فدخلت العمرة في الحج. وفي لفظ: أحرم رسول الله ﷺ ينتظر أمر ربه، فلما كان بمكة أمر بالأمر. رواه سعيد [قلت: وهذا مرسل الإسناد، ولا حجة في المرسل، ولم يأت معناه من وجه مسند صحيح؛ أنه خرج ينتظر القضاء]. ومعناه: أنه ينتظر هل يتمون ما أحرموا به أو يغيرونه؛ لأنه قد صح بالروايات المستفيضة أنهم أحرموا إما بعمرة، أو بحج، أو بعمرة وحج.
وأيضاً: فلو كان المقصود بيان جواز العمرة في أشهر الحج لبين ذلك بالكلام، كما بين لهم كثيراً من الأحكام.
الوجه السابع: لو كان الفسخ خارجاً عن مقتضى الكتاب وهو مختص بهم؛ لم يفرق الحال بين من ساق الهدي ومن لم يسقه، حتى ينشأ من ذلك ترددهم وتأسفه على سوق الهدي، وموافقتهم. وقد بين أن سائق الهدي لا يجوز له الفسخ؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فهلا أمر الجميع بالإتمام امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أيضاً، أو جوز تخصيص ذلك الركب من حكم هاتين الآيتين لقصد بيان جواز العمرة قبل الحج في أشهره؟ فإن دلالة الآيتين على الحكم عند من يخالف في ذلك سواء. فلما أمر بالفسخ من لم يسق الهدي دون من ساق، وبين أن السوق يمنع الفسخ، علم قطعاً أن الفسخ في نفسه أمر جائز مستحب، وأن لا مانع منه غير سوق الهدي، وهذا واضح لمن أنصف.
الوجه الثامن: أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بإتمام الحج والعمرة لله قبل حجة الوداع بأربع سنين، فلا يخلو إما أن يكون الفسخ تركاً لإتمام الحج لله، فلا يكون أولئك الصحابة مخاطبين بهذه الآية، ولا داخلين في حكمها، وهم المواجهون بالخطاب، المقصودون به قبل الناس كلهم، ثم كيف يجوز لمسلم أن يعتقد أنهم لم يتموا الحج لله؟! وإن لم يكن الفاسخ تاركاً لإتمام الحج لله، بل هو متم له كما أمر الله تعالى به، فلا فرق في هذا بين ناس وناس.