الوجه الثالث: أن النبي ﷺ بين أن فسخ الحج إلى العمرة ليس هو شيئاً خارجاً عن القياس، وتغيظ على من توقف فيه، وقد اعترضوا عليه بمثل ما يعترض به بعض أهل زماننا، فالاعتراض عليه نفثة من الشيطان في نفوس الناس.
قال جابر ﵁: فقال لهم: «أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة، رضي عنه وقصروا، ثم أقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة»، فقالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال:«افعلوا ما أمرتكم، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله»، ففعلوا.
وفي رواية مسلم: فقلنا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمرنا أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني، قال جابر: فقام النبي ﷺ فينا فقال: «قد علمتم أني أتقاكم الله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لأحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا، فحللنا، وسمعنا وأطعنا.
وهذا كله يدل على أن ذلك أمر حسن مباح في نفسه، وأن توقف من توقف فيه خطأ عظيم؛ ولذلك تغيظ عليه كما تغيظ على من توقف عن الإحلال في عمرة الحديبية، وكما تغيظ على من تحرج عن القبلة للصائم، وقال: «يحل الله لرسوله ما شاء»، وكما تغيظ على من كره أن يصبح صائماً وهو جنب، وكما ترخص في أشياء، فبلغه أن ناساً تحرجوا من ذلك، وفي كل ذلك يقول: إني أخشاكم الله، وأعلمكم بما أتقي»، فتبين بذلك أن هذا ليس مما يتقى ويجتنب، ولم أفعله لخصوص في، فلو كان البقاء على الإحرام هو الواجب في الأصل، وإنما وقعت الرخصة خاصة في وقت خاص لم يتغيظ مثل هذا التغيظ.
الوجه الرابع: أن النبي ﷺ قال في هذه الحجة: «لتأخذوا عني مناسككم»، رواه مسلم من حديث جابر، ومعلوم أنهم إنما يأخذونها ليقتدوا به فيها، ويهتدوا بهديه، ويستنوا بسنته، فلو كانت تلك الحجة خارجة عن القياس، ومختصة بأولئك الركب، لم يجز أن يقال:«خذوا عني مناسككم»، بل خذوا مناسككم إلا في التحلل أو نحو ذلك.
الوجه الخامس: أن أصحاب رسول الله ﷺ أفتوا بالفسخ بعده، ولو كان مختصاً بذلك الركب لم يخف ذلك عليهم، وقد تقدم ذكر ذلك عن أبي موسى الأشعري وابن عباس.
الوجه السادس: أنه لا موجب لاختصاصهم بها؛ وذلك لأنه إن كان المقصود بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج، فقد بين هذا باعتماره في ذي القعدة هو وأصحابه عمرة الحديبية، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، فهو لم يعتمر قط إلا في أشهر الحج. وإن كان المقصود بيان العمرة قبل الحج في أشهره فهذا قد حصل بقوله عند الميقات، وبفعل بعض أصحابه وهم الذين أحرموا من الميقات بعمرة مثل عائشة ونحوها، فإنه قد قال لهم عند الميقات: «من شاء أن يهل بعمرة فليفعل، ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل، ومن شاء أن