وعلم أن أتم الحج والعمرة أن ينشئ لهما سفراً من الوطن، كما فعل النبي ﷺ، ولم ير لتحصيل هذا الفضل والكمال لرغبته طريقاً إلا أن ينهاهم عن الاعتمار مع الحج وإن كان جائزاً، فقد ينهى السلطان بعض رعيته عن أشياء من المباحات والمستحبات لتحصيل ما هو أفضل منها من غير أن يصير الحلال حراماً.
قال يوسف بن ماهك: إنما نهى عمر الله عن متعة الحج من أجل أهل البلد؛ ليكون موسمين في عام، فيصيب أهل مكة من منفعتهما. وقال عروة بن الزبير: إنما كره عمر العمرة في أشهر الحج إرادة أن لا يعطل البيت في غير أشهر الحج. رواهما سعيد.
وأيضاً فخاف إذا تمتعوا بالعمرة إلى الحج أن يبقوا حلالاً حتى يقفوا بعرفة محلين، ثم يرجعوا محرمين، كما بين ذلك في حديث أبي موسى وغيره حيث قال: كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك - يعني أراك عرفة - ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم. ونحن نذهب إلى ذلك؛ فإن الرجل إذا أنشأ للعمرة سفراً من مصره كان أفضل من عمرة التمتع.
وقال ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ١٠٧) بعد حديث الضحاك بن قيس وسعد: «ومراده بالتمتع هنا بالعمرة إلى الحج: أحد نوعيه، وهو تمتع القرآن فإنه لغة القرآن، والصحابة الذين شهدوا التنزيل والتأويل شهدوا بذلك، ولهذا قال ابن عمر: تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فبدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وكذلك قالت عائشة، وأيضاً: فإن الذي صنعه رسول الله ﷺ هو متعة القرآن بلا شك، كما قطع به أحمد، ويدل على ذلك أن عمران بن حصين قال: تمتع رسول الله ﷺ وتمتعنا معه. متفق عليه».
وهو الذي قال المطرف: أحدثك حديثاً عسى الله أن ينفعك به، إن رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات. وهو في صحيح مسلم فأخبر عن قرانه بقوله: تمتع، وبقوله: جمع بين حج وعمرة.
ويدل عليه أيضاً، ما ثبت في الصحيحين عن سعيد بن المسيب، قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان، فقال: كان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ قال عثمان: دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما أن رأى علي ذلك، أهل بهما جميعاً. هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: اختلف علي وعثمان بعسفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ، فلما رأى ذلك علي، أهل بهما جميعاً.
وأخرج البخاري وحده من حديث مروان بن الحكم، قال: شهدت عثمان وعلياً، وعثمان ينهي عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأى علي ذلك أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة، وقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله ﷺ لقول أحد.