«إتمامها أن تفردها، وتفرد الحج، ومن هذا المعنى حديثه هذا: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم وعمرته».
وقال القنازعي في تفسير الموطأ (٢/ ٦٢٢): «إنما أدخل في الموطأ: «اعتمري في رمضان، فإن عمرة فيه كحجة»، على أن العمرة تستحب في غير أشهر الحج، ثم أعقب بقول عمر بن الخطاب افصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإنه أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته؛ أن يعتمر في غير أشهر الحج.
قال عبد الرحمن: هذا يدل على أن عمر كان الإفراد بالحج عنده أحسن من القران بين الحج والعمرة، ومن التمتع بالعمرة إلى الحج».
وقال أيضاً (٢/ ٦١٨): «مسألة سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس حين تناظرا في المتمتع، فقال فيها الضحاك: إنه لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله؛ يريد الضحاك بقوله هذا: إن الله ﵎ ذكر في كتابه شهور الحج للإهلال بالحج، فقال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَتُ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فأولها شوال إلى النصف من ذي الحجة، ولذلك قال له: إن عمر كان ينهى عن ذلك، يعني: أنه كان ينهى عن العمرة في أشهر الحج، ورخص في ذلك عمر لعمر بن أبي سلمة، فاعتمر في شوال، ثم رجع إلى أهله، ولم يتمتع بالعمرة إلى الحج، وكان سعد بن أبي وقاص يفتي بالتمتع بالعمرة إلى الحج.
وقال مالك في هذه المسألة في غير الموطأ: عمر أعلم الناس برسول الله من سعد.
يريد مالك بقوله هذا: أن النبي ﷺ أفرد الحج ولم يتمتع بالعمرة إلى الحج كما يتأول على سعد.
وإنما معنى قول سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه، أي: قد أباح لنا رسول الله ﷺ التمتع بالعمرة إلى الحج، فصنعنا ذلك ونحن معه، كما قال عمر بن الخطاب: قد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا معه أي: قد أمرنا بالرجم فرجمنا ونحن معه، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه رجم أحداً بيده، ولكنه أمر بالرجم فرجم الناس، كما أباح التمتع بالعمرة إلى الحج، فتمتع الناس ولم يتمتع هو، ولكنه أفرد الحج».
وقال الباجي في المنتقى (٣/ ١٩٤): «قول الضحاك في التمتع بالعمرة إلى الحج: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى؛ على سبيل الإنكار للمتعة»، ثم ذكر رواية عقيل عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، ثم قال: وهذا الذي ذهب إليه عبد الله بن عمر هو الصحيح؛ أن عمر بن الخطاب لم ينه عنها على وجه التحريم، وإنما نهى عنها لأنه رأى الإفراد أفضل منها، وما روي عنه أنه أنكر النهي عنها، وأنه قال: أنا أفعلها؛ دليل على ذلك.
وقد روى مالك في الموطأ ما يأتي بعد هذا أنه قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحج أحدكم ولعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج، وكان عمر يعتقد أن الإفراد أفضل، ويأمر به على سبيل الاستحباب، ولعله كان يرى أن اعتقاد تفضيل المتعة خطأ، فكان ينهى عن ذلك، ويعاقب عليه؛ لا على إباحة المتعة.