للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

«في شهور الحج إلا بهدي، وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحج، فجعلتموها أنتم حراماً، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلَّها الله، وعملها رسول الله ، فإذا أكثروا عليه قال: كتاب الله بيني وبينكم، كتاب الله أحق أن يتبع أم عمر؟». ونقله القرطبي في التفسير (٢/ ٣٨٨).

وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٥/ ٣٠٧): «ورجحنا اختيارنا الإفراد بأنه عمل أبي بكر وعمر وعثمان، وحسبك بقول عمر: افصلوا بين حجكم وعمرتكم، وكان لا يزيد على الإفراد، ومحال أن يجهل هؤلاء الخلفاء الأفضل والأصح مما روي في ذلك، مع موضعهم من العلم والجلالة والفهم».

قلت: قد سبق بيان أن عمر لم يقتصر على الإفراد، بل كان يتمتع أيضاً، كما في حديث ابن عباس، وأما تأويل أمره بالإفراد بأنه يراه الأفضل والأصح؛ ففيه نظر، لما سبق بيانه في الأسباب التي دعته لهذا الاجتهاد، والله أعلم.

وقال أيضاً في التمهيد (٢٢/ ٢٩١) (١٤/ ٣٠٥ - ط الفرقان): «أوضح الدلائل على رد قول من كره العمرة في أشهر الحج؛ على أني لا أعرف أحداً كره ذلك؛ إلا من لا يُعدُّ خلافاً فيه لشذوذه في ذلك، وقد شبه عليه بقول عمر : افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإن ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج، وهذا إنما أراد به عمر ندب الناس إلى إفراد الحج وكراهية التمتع، فإذا أفرد الإنسان الحج وائتم عليه خرج من شهوره وجازت له العمرة عند عمر وغيره … .، ولم يختلف العلماء في جواز العمرة في شهور الحج في شوال وذي القعدة وذي الحجة لمن تمتع وإن لم يتمتع، وفي إجماعهم على ما وصفنا دليل على أن معنى قول عمر عندهم ما ذكرنا، أو على أنهم تركوه ونبذوه ولم يلتفتوا إليه؛ لأن رسول الله كانت عمره في شهور الحج، وقد صح عن عمر أنه أذن لعمر بن أبي سلمة أن يعتمر في شوال، فصار ما وصفنا إجماعاً صحيحاً، والحمد لله».

وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٤/ ١٠٦): «كان عمر يرى الإفراد، ويميل إليه ويستحبه، فلا يرى أن يقرن الحج مع العمرة، وإن كان ذلك عنده جائز بدليل حديث الصبي بن معبد؛ إذ قَرَن، وسأله عن القران، وذكر له إنكار سليمان بن ربيعة وزيد بن صوحان لتلبيته بالحج والعمرة معاً، فقال: له هديت لسنة نبيك، فهذا بين له أن القران عنده سنة، ولكنه استحب الإفراد؛ لأنه إذا أفرد الحج ثم قصد البيت من قابل العمرة أو قبلها في عامه من بلده أو من مكة في غير أشهر الحج كان عمله وتعبه ونفقته أكثر، ولهذا لم يكن يستحب العمرة في أشهر الحج ولا استحب التمتع بالعمرة إلى الحج، كل ذلك حرص منه على زيارة البيت وعلى كثرة العمل؛ لأن من أفرد عمرته من حجه كان أكثر عملاً من القارن، ومن كان أكثر عملاً كان أكثر أجراً إن شاء الله، أو لما أعلم الله ﷿ من استحبابه الإفراد، ولعله كان يعتقد أن رسول الله كان مفرداً في حجته، فمال إلى ذلك واستحبه، ولقد روي عنه أنه قال في قول الله ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، قال:

<<  <  ج: ص:  >  >>