ولكن هذه المتعة - عندنا والله أعلم - هي الإحرام الذي كان أصحاب رسول الله ﷺ أحرموه بحجة، ثم طافوا لها وسعوا قبل عرفة، وحلقوا وحلوا، فتلك متعة قد كانت تفعل على عهد رسول الله ﷺ، ثم نسخت، … .
فهذه المتعة التي نهى عنها عمر ﵁، وتوعد من فعلها بالعقوبة.
«فأما متعة قد ذكرها الله ﷿ في كتابه بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ الآية، وفعلها رسول الله ﷺ وأصحابه، فمحال أن ينهى عنها عمر ﵁، بل قد روينا عن عمر ﵁ - أنه استحبها وحض عليها».
قلت: أولى أن يقال: إنما منع عمر وكره إيجاب الفسخ لكل من دخل مكة حاجاً، ولهذا قال بالإفراد؛ ليعلمهم أنه لم ينسخ، وأن الأنساك الثلاثة جائزة؛ خلافاً لمن قال بنسخ الإفراد وإيجاب التمتع لمن لم يسق الهدي.
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في شرح الرسالة (٢/ ٢٧٤): «وأما ما روى عن عمر رضوان الله عليه من منع ذلك؛ فإنه على الاحتياط والاستحباب؛ لأنه كان يذهب إلى أن الإفراد أفضل، وإلى أن سبيل الحاج أن يكون أشعث أغبر، كما قال النبي ﷺ: «الحاج أشعث أغبر»، يريد أن ذلك أفضل أحواله، وإذا تحلل من العمرة ثم أحرم بالحج زال الشعث عنه؛ لأنه يحرم بالحج وقد ترفه بالإحلال. وقد روي هذا المعنى سعيد بن المسيب عن عمر ﵁ -.
وروى عنه أيضاً: أن ذلك لأن إيقاع العمرة في غير أشهر الحج هو الأتم؛ فروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن عمر ﵁ ـ، قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم؛ فإنه أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج، … »، ثم ساق طرفاً من الآثار السابق ذكرها عن عمر، وأما الحديث المرفوع:«الحاج أشعث أغبر»، أو:«المحرم أشعث أغبر»، فلم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما يُعرف هذا المعنى من حديث عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وجابر؛ مرفوعاً بألفاظ مختلفة، وموضع الشاهد منه في المباهاة بأهل عرفة:«انظروا إلى عبادي أتوني شُعثاً غُبراً»، وحديث ابن عمرو وأبي هريرة: إسنادهما جيد.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢١٠): «والمشهور عن عمر وعثمان أنهما كانا ينهيان عن التمتع، وإن كان جماعة من أهل العلم قد زعموا أن المتعة التي نهى عنها عمر وضرب عليها: فسخ الحج في عمرة، فأما التمتع بالعمرة إلى الحج فلا، وزعم من صحح نهي عمر عن التمتع أنه إنما نهى عنه ليُنتجع البيت مرتين أو أكثر في العام، وقال آخرون: إنما نهى عنها عمر لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتع ليسارته وخفته؛ فخشي أن يضيع الإفراد والقران وهما سنتان للنبي ﷺ»، وذكر معمر عن الزهري عن سالم، قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج؟ فأمر بها، فقيل له: إنك لتخالف أباك، فقال: إن عمر لم يقل الذي تقولون، إنما قال عمر: أفردوا الحج من العمرة؛ فإنه أتم للعمرة، أي: أن العمرة لا تتم