للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

ويبدو لي أن مراد عمر من ذلك أن الله تعالى أباح إدخال العمرة في أشهر الحج، سواء بفعلها مجردة في أشهر الحج، كما اعتمر النبي في عمرة القضية والجعرانة، أو بفعلها مقرونة بالحج في القران؛ كما فعل النبي وأصحابه ومنهم عمر، أو بفعلها مفردة ثم يهل بعدها بالحج متمتعا؛ كما أمر النبي من لم يسق الهدي من أصحابه: كل ذلك مما أباحه الله تعالى لنبيه ، ثم لأمته من بعده، لكن البعض حول هذه الإباحة إلى فرض وإلزام، وأن كل من دخل مكة حاجا لزمه الفسخ إلى عمرة، كما قال ابن عباس وأبو موسى، فلما رأى عمر ذلك أراد أن يوقف هذا الرأي عن الانتشار في الناس، بالمنع من العمرة في أشهر الحج؛ لا على سبيل المعارضة، ولكن على سبيل القصد والاعتدال في أحكام الشريعة، وأن تعود الأمور لنصابها الصحيح، في فهم مراد النبي ، لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في عمدة الأحكام (٤/ ٣٦٠ - ط عطاآت العلم): «ولم ير لتحصيل هذا الفضل والكمال لرغبته طريقا إلا أن ينهاهم عن الاعتمار مع الحج وإن كان جائزا، فقد ينهى السلطان بعض رعيته عن أشياء من المباحات والمستحبات لتحصيل ما هو أفضل منها من غير أن يصير الحلال حراما».

وقد زاد عمر ذلك بيانا في حديث أبي موسى، حيث بين أن مأخذه من القرآن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وأن مأخذه من السنة: أن النبي لم يحل حتى نحر الهدي؛ إمعانا منه في المنع من انتشار هذا القول، لاسيما وقد قال ذلك لأبي موسى، وقد كان ممن يقول بوجوب الفسخ.

وعمر في ذلك كله يعلم أن النبي قد أمر أصحابه بالفسخ إلى عمرة، وأنه قد جمع بين الحج والعمرة في حجته:

ففي حديث ابن عباس: والله إني لأنهاكم عن المتعة، وإنها لفي كتاب الله، ولقد فعلها رسول الله . وقال للصبي بن معبد؛ حين جمع بين الحج والعمرة: هديت لسنة نبيك. وفي حديث أبي موسى: قد علمت أن النبي قد فعله وأصحابه. وأيضا: فإن عمر ، هو الذي قال: سمعت النبي بوادي العقيق، يقول: «أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة» [أخرجه البخاري (١٥٣٤ و ٢٣٣٧ و ٧٣٤٣)، ويأتي تخريجه عند أبي داود برقم (١٨٠٠)، إن شاء الله تعالى].

بل إن عمر نفسه ممن كان يتمتع، ويجمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة، ففي حديث ابن عباس: سمعت عمر، يقول: لو اعتمرت ثم اعتمرت، ثم حججت؛ لتمتعت.

وأما الدافع له على هذا الاجتهاد، فقد اختلفت فيه الأقوال:

• فمنها: ما سبق ذكره آنفا، من إعادة أفهام الصحابة لهذه المسألة إلى مراد النبي مما قاله لهم في حجة الوداع: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»؛ دخول إباحة؛ لا دخول إلزام وفرض.

• ومنها: ما جاء في حديث أبي موسى: قال عمر: قد علمت أن النبي قد فعله

<<  <  ج: ص:  >  >>