حجهم بالفسخ المذكور، فيطؤون نساءهم قبل تمام الحج الذي كانوا أحرموا به، ولا يظن بمثل عمر ﵁ الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه - أنه منع ما جوزه رسول الله ﷺ بالرأي والمصلحة، فإن ذلك ظن من لم يعرف عمر، ولا فهم استدلاله المذكور في الحديث، وإنما تمسك بقول الله جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ ففهم: أن من تلبس بشيء منهما وجب عليه إتمامه، ثم ظهر له: أن ما أمر به النبي ﷺ أصحابه قضية معينة مخصوصة على ما ذكرناه فيما تقدم، فقضى بخصوصية ذلك لأولئك، ثم إنه أطلق الكراهية وهو يريد بها التحريم، وتجنب لفظ التحريم؛ لأنه مما أداه إليه اجتهاده، وهذه طريقة كبراء الأئمة: كمالك، والشافعي، وكثيراً ما يقولون: أكره كذا … وهم يريدون التحريم، وهذا منهم تحرز وحذر من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾.
مُعْرِسين: جمع مُعْرِس، وهو الذي يخلو بعرسه؛ أي: بزوجته، ولا يصح أن يكون من التعريس؛ لأن الرواية بتخفيف العين والراء؛ ولأن التعريس إنما هو: النزول من آخر الليل، كما تقدم، ويناقضه قوله: يظلون ويروحون، فإنهما إنما يقالان على عمل النهار، والله تعالى أعلم».
وقال الأزهري في تهذيب اللغة (٢/ ٥٢): «وفي حديث عمر أنه نهى عن متعة الحج، وقال: قد علمت أن النبي ﷺ فعله، ولكني كرهت أن يظلوا مُعْرِسين بهن تحت الأراك ثم يروحوا بالحج تقطر رؤوسهم. وقوله: معرسين أي ملمين بنسائهم، وهو بالتخفيف، وهذا يدل على أن إلمام الرجل بأهله يسمى إعراساً أيام بنائه عليها وبعد ذلك؛ لأن تمتع الحاج بامرأته يكون بعد بنائه عليها».
وقال ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٤٨٣) بعد أن ذكر طريق طارق بن شهاب وإبراهيم بن أبي موسى: «قلت: والكل قريب، وقد كان عمر ﵁ يستحب إفراد الحج عن العمرة؛ ليفعلا على الوجه الأكمل، وإن كان التمتع بهما جائزاً عنده كما تقدم عنه -، وكما دلت على ذلك السنة النبوية، ولم يكن عمر ﵁ ينهى عن ذلك محرماً له، كما اعتقده بعضهم، والله ﷿ أعلم بالصواب».
وقال ابن حجر في فتح الباري (٣/ ٤١٨): «وكان من رأي عمر عدم الترفه للحج بكل طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء؛ لئلا يستمر الميل إلى ذلك بخلاف من بعد عهده به، ومن يفطم ينفطم، وقد أخرج مسلم من حديث جابر؛ أن عمر قال: افصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم، وفي رواية: إن الله يحل لرسوله ما شاء فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله، قوله: إن نأخذ بكتاب الله إلخ، محصل جواب عمر في منعه الناس من التحلل بالعمرة: أن كتاب الله دال على منع التحلل؛ لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحج، وأن سنة رسول الله ﷺ أيضاً دالة على ذلك؛ لأنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله، لكن الجواب عن ذلك: ما أجاب به هو ﷺ حيث قال: «ولولا أن معي الهدي لأحللت»، فدل على جواز الإحلال لمن لم يكن معه