للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

ويشبه أن يكون أراد بقوله: أهللت كإهلال النبي ، أي: كما يسنه لي من الإهلال، ويعينه من أنواع ما يحرم له من الحج على اختلاف وجوهه، ولم يكن معه هدي، ولعله لم يكن يتسع لثمن الهدي في وقته ذلك، فأمره النبي أن يحل بعمل عمرة، إذ كان الإهلال بها مضافاً إليه فيما شرعه وسنه لأمته، وكان مع علي هدي فأمره بالمكث على إحرامه؛ ليكون حلاق الشعر عند بلوغ الهدي محله، وهو إذا رمى جمرة العقبة.

وفي الحديثين معاً دليل على أن إرسال النية عند الإحرام جائز من غير تعيين لما يحرم به، ثم يُصرف إلى ما يعزم عليه بعد من وجوه ما يُحرم به من نسك. وقد روي أن النبي خرج من المدينة ينتظر القضاء، أي: غير بات للنية في نوع ما أحرم به، وذلك يؤكد معنى ما قلناه من جواز إرسال النية وقت عقد الإحرام من غير تعيين فيه.

وفيه وجه آخر - وهو أشبه -: ذلك أنه قد فسخ عليه الحج، وكان قد أهل به، كما قد فسخه على غيره من أصحابه الذين لم يكن معهم هدي».

قلت: وهذا الوجه الأخير هو الأشبه، فإن أبا موسى قد أهل بإهلال كإهلال النبي ، وكان النبي قارناً، فصار أبو موسى قارناً، ولم يكن معه هدي، فأمره بفسخ الحج إلى عمرة، ثم أهل بالحج يوم التروية، مثل بقية من لم يسق الهدي من الصحابة، ومثلما قال النبي : «لولا أن معي الهدي لأحللت»، وذلك خلافاً لعلي بن أبي طالب، والذي أهل بإهلال النبي وكان قد ساق الهدي معه، فأمره النبي أن يمكث على إحرامه، فصار قارناً، مثل النبي ، والله أعلم.

وقال ابن حزم في حجة الوداع (٣٩٦): «لا متعلق في هذا الحديث خاصة لمن يقول بأنه كان مفرداً للحج؛ لأنه لم يقل عمر بن الخطاب فيه: إن رسول الله كان مفرداً للحج، وإنما أخبر أنه لم يحل حتى نحر الهدي، وهذا يحتمل أن يكون مفرداً للحج، ويحتمل أن يكون أيضاً قارناً بين الحج والعمرة. فإن قيل: المحفوظ عن عمر أنه كان ينكر القرآن، قيل: المحفوظ عن عمر أنه قال للصُّبي بن معبد إذ قرن بين الحج والعمرة هديت لسنة نبيك ، … ».

وقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١١٣): «ففي هذين الحديثين: أن علياً وأبا موسى لم ينويا شيئاً معيناً؛ من حج مفرد، ولا عمرة، ولا قران، وإنما أهلا محرمين، وعلقا النية في عملهما بما نواه وعمله غيرهما، وهو رسول الله ، فدل ذلك - والله أعلم - على أن النية في الإحرام بالحج ليس كالنية في الإحرام بالصلاة؛ ألا ترى أن الدخول في الصلاة مفتقر إلى القول والنية جميعاً، وهو التكبير واعتقاد تعيين الصلاة بعينها، وليس الحج كذلك؛ لأنه يصح عندهم بالنية دون التلبية ألا ترى أن الحج قد يدخل فيه بغير التلبية من الأعمال، مثل: إشعار الهدي والتوجه نحو البيت إذا نوى بذلك الإحرام، ومثل أن يقول: قد أحرمت بالحج، أو نحو ذلك، ولا يصح الإحرام في الصلاة إلا بالتكبير، فلهذا جاز نقل الإحرام في الحج من شيء إلى مثله، ويصحح ذلك قول رسول الله :

<<  <  ج: ص:  >  >>