وحديث مسلم يأبى عليه الأمرين، ويعطي أن القطعة التي هي:«دخلت العمرة في الحج» من كلام النبي ﷺ، وأن معناه: فسخ الحج لمن أحرم به في العمرة، كما فعل الصحابة ﵃ بأمره لهم ﵇.
وذلك أن لفظ حديث مسلم، إنما هو هكذا:«هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن معه هدي، فليحل الحل كله، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة».
ففيه أمره لهم بالإحلال؛ من أجل أن العمرة قد وجب أن تفعل قبل الحج تمتعاً، أو معه قراناً إلى يوم القيامة.
فأما حديث أبي داود: فإنه باحتماله أن يكون ذلك اللفظ جملة مستقلة مقطوعة مما قبلها، أمكنه فيه ما تأول وأمكن أبا داود ما أنكر، ويمكن في لفظ حديث أبي داود أمر آخر يأباه لفظ حديث مسلم، وهو ما تأولته عليه المالكية، من أنه: بمعنى سقوط وجوب العمرة بوجوب الحج، كما سقط عاشوراء برمضان، أي: إن الحج قد أغنى عما دونه.
وأبو محمد ﵀ يظهر من أمره أنه إنما عدل عن لفظ حديث مسلم إلى لفظ حديث أبي داود المتسع لمراده، لمذهب ذهب إليه، في أن ما كان من فسخ الحج بالعمرة منسوخ، أو مختص، وليس هذا من فعل المحدّث بصواب، فإنما عليه الأداء، وعلى المتفقه التمييز والبناء.
وحديث مسلم ولفظه ينبغي أن يكون هو الصحيح، لا حديث أبي داود، وذلك أن أبا داود، إنما حدث بحديثه عن عثمان بن أبي شيبة عن غندر عن شعبة، ومسلم حدث به عن ابن بشار وابن مثنى كلاهما عن غندر عن شعبة.
فالخلاف على غندر: عثمان يقول لفظ حديث أبي داود، وابن المثنى، وابن بشار يقولان لفظ حديث مسلم، ثم رواه مسلم أيضاً كذلك، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، فاشتد وترجح.
ويرويه شعبة عنهما جميعاً، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، فاعلمه».
قلت: وإن كانت هذه الجملة مستقلة؛ فلا نملك دليلاً على القول بالإدراج، وقد اتفق أصحاب شعبة على رفع الحديث كله، ولم يأت في رواية واحد منهم ما يدل على وقوع الإدراج في الحديث، فضلاً عن اتفاقهم على رفع الحديث جملة، ولم أقف على رواية من أوقف الحديث، وجعله من قول ابن عباس، وعليه: فليس لأبي داود مستند يعتمد عليه بإنكار الرفع سوى النظر إلى ما تبدى له من جهة المعنى، ووجه تأويله ظاهر لا يحتاج إلى تكلف، ولذا فإنا لا نملك دليلاً على القول بترجيح الوقف فيه على الرفع، إلا أن نقول بقول ابن القيم، وهو أن إنكار أبي داود إنما وقع على الحديث الآتي، وهو الأشبه، وسيأتي الكلام عليه، كما أن ما زعمه ابن القطان من الاختلاف على غندر في لفظ الحديث فليس بصحيح، فقد نص مسلم على أن هذا اللفظ إنما هو لفظ حديث معاذ بن معاذ، وليس هو لفظ غندر، وقد رواه غندر كالجماعة، كما اتفق أصحاب شعبة: محمد بن