للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وأثر آخر عن ابن مسعود، وقد روى جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي؛ أنه كان يحفظ عن علي بن أبي طالب للقارن طوافاً واحداً بين الصفا والمروة؛ خلاف ما يحفظ أهل العراق. وما رواه العراقيون منه ما هو منقطع، ومنه ما رجاله مجهولون أو مجروحون. ولهذا طعن علماء النقل في ذلك، حتى قال ابن حزم: كل ما روي في ذلك عن الصحابة لا تصح منه ولا كلمة واحدة، وقد نقل في ذلك عن النبي ما هو موضوع بلا ريب. وأيضاً ففي الصحيحين عن ابن عمر قال لهم: اشهدوا أني قد أوجبت حجاً مع عمرتي، ثم انطلق يهل بهما جميعاً، حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم يحلق ولا قصر، ولا أحل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر، فحلق ونحر، ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، ثم قال: هكذا فعل رسول الله . وأيضاً فقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة». وإذا دخلت فيه لم تحتج إلى عمل زائد على عمله. وقد روى سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، قال: حلف لي طاووس: ما طاف أحد من أصحاب رسول الله في حجته وعمرته إلا طوافاً واحداً. وقد ثبت مثل هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وغيرهم، وهم من أعلم الناس بحجة رسول الله ولا يخالفونها. فهذه الأحاديث الثابتة الصحيحة عن النبي تبين أنه لم يطف بالبيت وبين الصفا والمروة؛ إلا طوافاً واحداً. فتبين بذلك أن الذي دلت عليه الأحاديث هو الذي قاله أئمة أهل الحديث: كأحمد وغيره؛ أن النبي كان قارناً، وأنه لم يطف إلا طوافاً واحداً بالبيت وبين الصفا والمروة، لكنه ساق الهدي؛ فمن ساق الهدي فالقران أفضل له من التمتع، ومن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له، كما أمر النبي أصحابه، والله أعلم.

وقد سئل أيضاً (٢٦/ ٨٠) عن حج النبي هل كان مفرداً؟ أو قارناً؟ أو متمتعاً؟ وأيما أفضل لمن يحج، … فأجاب بإجابة مفصلة لكنها أخصر من سابقتها، وفيها نحو ما تقدم، ومما قال فيها: «وبسط ذلك في هذا الموضع غير ممكن، لكن نذكر نكتاً مختصرة: منها: أن الذين نقلوا لفظ رسول الله كلفظ تلبيته، ولفظه في خبره عن نفسه، وفيما يخبر به عن أمر الله له: إنما ذكروا القرآن؛ كقول أنس في الصحيحين: سمعته يقول: «لبيك عمرة وحجة»، وكان تحت ناقته، وكحديث عمر الذي في الصحيح حيث قال: «أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك، وقال: قل: عمرة في حجة»، … ، والذين قالوا: تمتع بالعمرة إلى الحج لم تزل قلوبهم على غير القران، فإن القران كان عندهم داخلاً في مسمى التمتع بالعمرة إلى الحج، كما جاء مفسراً في الصحيحين، … ».

وقال أيضاً في مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٠٤): «والعمرة الرابعة مع حجته؛ فإنه قرن بين العمرة والحج باتفاق أهل المعرفة بسنته، وباتفاق الصحابة على ذلك، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه تمتع تمتعاً حلَّ فيه، بل كانوا يسمون القرآن: تمتعاً، ولا نقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين وسعى سعيين، وعامة المنقول عن الصحابة في

<<  <  ج: ص:  >  >>