للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

صفة حجته ليست بمختلفة، وإنما اشتبهت على من لم يعرف مرادهم، وجميع الصحابة الذين نقل عنهم أنه أفرد الحج؛ كعائشة، وابن عمر، وجابر؛ قالوا: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج، وقد ثبت هذا في الصحيحين عن عائشة وابن عمر بإسناد أصح من إسناد الإفراد، ومرادهم بالتمتع القرآن، كما ثبت ذلك في الصحاح أيضاً».

وقال ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ١١٥): «فمن قال: إنه أفرد الحج، وأراد به: أنه أتى بالحج مفرداً، ثم فرغ منه وأتى بالعمرة بعده من التنعيم أو غيره، كما يظن كثير من الناس، فهذا غلط، لم يقله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أئمة الحديث. وإن أراد به: أنه حج حجاً مفرداً لم يعتمر معه، كما قاله طائفة من السلف والخلف فوهم أيضاً، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده كما تبين، وإن أراد به: أنه اقتصر على أعمال الحج وحده ولم يفرد للعمرة أعمالاً فقد أصاب، وعلى قوله تدل جميع الأحاديث. ومن قال: إنه قرن، فإن أراد به أنه طاف للحج طوافاً على حدة، وللعمرة طوافاً على حدة، وسعى للحج سعياً، وللعمرة سعياً، فالأحاديث الثابتة ترد قوله. وإن أراد أنه قرن بين النسكين وطاف لهما طوافاً واحداً، وسعى لهما سعياً واحداً، فالأحاديث الصحيحة تشهد لقوله، وقوله هو الصواب».

وقال (٢/ ١١٥): «ومن قال: إنه تمتع، فإن أراد أنه تمتع تمتعاً حلّ منه، ثم أحرم بالحج إحراماً مستأنفاً، فالأحاديث ترد قوله، وهو غلط، وإن أراد: أنه تمتع تمتعاً لم يحل منه، بل بقي على إحرامه لأجل سوق الهدي، فالأحاديث الكثيرة ترد قوله أيضاً، وهو أقل غلطاً، وإن أراد: تمتع القران فهو الصواب الذي تدل عليه جميع الأحاديث الثابتة، ويأتلف به شملها، ويزول عنها الإشكال والاختلاف».

وقال أيضاً (٢/ ١٢٥): «ولا ريب أن قول عائشة وابن عمر: أفرد الحج، محتمل الثلاثة معان: أحدها: الإهلال به مفرداً. الثاني: إفراد أعماله. الثالث: أنه حج حجة واحدة لم يحج معها غيرها، بخلاف العمرة فإنها كانت أربع مرات.

وأما قولهما: تمتع بالعمرة إلى الحج، وبدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فحكيا فعله، فهذا صريح لا يحتمل غير معنى واحد، فلا يجوز رده بالمجمل، وليس في رواية الأسود بن يزيد وعمرة عن عائشة؛ أنه أهل بالحج: ما يناقض رواية مجاهد وعروة عنها أنه قرن، فإن القارن حاج مهل بالحج قطعاً، وعمرته جزء من حجته، فمن أخبر عنها أنه أهل بالحج فهو غير صادق. فإن ضُمَّت رواية مجاهد إلى رواية عمرة والأسود ثم ضُمَّتا إلى رواية عروة تبين من مجموع الروايات أنه كان قارناً، وصدَّق بعضها بعضاً، حتى لو لم يحتمل قول عائشة وابن عمر إلا معنى الإهلال به مفرداً، لوجب قطعاً أن يكون سبيله سبيل قول ابن عمر: اعتمر في رجب، وقول عائشة أو عروة: إنه اعتمر في شوال، إلا أن تلك الأحاديث الصحيحة الصريحة لا سبيل أصلاً إلى تكذيب رواتها، ولا تأويلها وحملها على غير ما دلت عليه، ولا سبيل إلى تقديم هذه الرواية المجملة التي قد اضطربت على

<<  <  ج: ص:  >  >>