وسعى سعيين، فقد غلط أيضاً، ولم ينقل ذلك أحد من الصحابة عن النبي ﷺ. فالغلط في هذا الباب وقع ممن دون الصحابة فلم يفهموا كلامهم، وأما الصحابة فنقولهم متفقة.
ومما يبين أنه لم يطف طوافين ولا سعى سعيين لا هو ولا أصحابه: ما في الصحيحين: عن عروة، عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ، فقال:«من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً»، وقالت فيه: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً. وفي صحيح مسلم عن طاووس، عن عائشة أنها أهلت بعمرة، فقدمت، ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر:«يسعك طوافك لحجك وعمرتك، فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج. وفي مسلم أيضاً: عن مجاهد، عن عائشة؛ أنها حاضت بسرف، فطهرت بعرفة، فقال لها النبي ﷺ: يجزي عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك». وفي سنن أبي داود عن عطاء، عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها:«طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك». وفي الصحيحين عن جابر، قال: دخل النبي ﷺ على عائشة، ثم وجدها تبكي، وقالت: قد حضت، وقد حل الناس، ولم أحلل ولم أطف بالبيت، فقال:«اغتسلي ثم أهلي بالحج، ففعلت ووقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً». قالت: يا رسول الله! إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت، فقال:«فاذهب بها يا عبد الرحمن، فأعمرها من التنعيم»، وذلك ليلة الحصبة. فقد أخبرت عائشة في الحديث الصحيح أن الذين قرنوا لم يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة إلا الطواف الأول؛ الذي طافه المتمتعون أولاً. وأيضاً فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة في قضيتها: أنها لما طافت يوم النحر بالبيت وبين الصفا والمروة، قال لها:«قد حللت»، وقال لها:«يسعك طوافك لحجك وعمرتك»، وأنه لا يجب عليها قضاء تلك العمرة، ودل ذلك على أن القارن يجزيه طواف واحد بالبيت وبين الصفا والمروة كما يجزي المفرد، لا سيما وعائشة لم تطف إلا طواف قدوم؛ بل لم تطف إلا بعد التعريف، وسعت مع ذلك، فإذا كان طواف الإفاضة والسعي بعده يكفي القارن؛ فلأن يكفيه طواف القدوم مع طواف الإفاضة وسعي واحد مع أحدهما بطريق الأولى. ومما يبين ذلك أن الصحابة الذين نقلوا حجة رسول الله ﷺ كلهم نقلوا: أنه لما طاف الصحابة بالبيت وبين الصفا والمروة؛ أمرهم النبي ﷺ بالتحلل؛ إلا من ساق الهدي فإنه لا يتحلل إلا يوم النحر؛ ولم ينقل أحد منهم أن أحداً منهم طاف وسعى ثم طاف وسعى [يعني: من ساق الهدي]، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقله أحد من الصحابة علم أن هذا لم يكن، وعمدة من قال ذلك: أثر يرويه الكوفيون عن علي،