للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

فهذا أنس يخبر أنه سمع النبي يلبي بالحج والعمرة جميعاً، وما ذكره بكر عن ابن عمر عنه، فجوابه: أن الثقات - الذين هم أثبت في ابن عمر من بكر مثل ابنه سالم - رووا عنه أنه قال: تمتع رسول الله بالعمرة إلى الحج. وهؤلاء أثبت عن ابن عمر من بكر، وغلط بكر على ابن عمر: أولى من تغليط سالم ابنه عنه؛ وتغليطه هو على النبي ، ويشبه هذا أن ابن عمر قال له: أفرد الحج؛ فظن أنه قال: لبى بالحج، فإن إفراد الحج كانوا يطلقونه، ويريدون به إفراد أعمال الحج، وذلك يرد قول من يقول: إنه قرن فطاف طوافين وسعى سعيين، ومن يقول: إنه أحلَّ من إحرامه. فرواية من روى من الصحابة أنه أفرد الحج ترد على هؤلاء، يبين هذا ما رواه مسلم في صحيحه: عن نافع، عن ابن عمر، قال: أهللنا مع رسول الله بالحج مفرداً. وفي رواية: أهل بالحج مفرداً. فلم يذكروا عن ابن عمر إلا أنه قال: أفرد الحج، لا أنه قال: لبى بالحج. وفي السنن: من حديث البراء بن عازب؛ أن النبي قال لعلي: «قد سقت الهدي وقرنت». وفي الصحيحين: من حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر قال: تمتع رسول الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وقد اعتمر رسول الله فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله مكة، قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليتحلل، ثم ليهل بالحج، وليُهدِ، فمن لم يجد هدياً فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، وطاف رسول الله حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أشواط من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم رجع حين قضى طوافه بالبيت، فصلى عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يتحلل من كل شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله مَنْ أهدى فساق الهدي من الناس. قال الزهري: وحدثني عروة عن عائشة، مثل حديث سالم عن أبيه. فهذا أصح حديث على وجه الأرض. وهو من حديث الزهري - أعلم أهل زمانه بالسنة - عن سالم عن ابن عمر، وهو أصح من حديث ابن عمر، ومن حديث عروة عن عائشة، وهو أصح من حديث عائشة، وقد ثبت عنها في الصحيحين: أن النبي اعتمر أربع عمر الرابعة مع حجته، ولم يعتمر بعدها باتفاق المسلمين، فتعين أن يكون قرن بين العمرة والحج، وقال: هكذا فعل رسول الله . وكذلك أخبرت أن الذين جمعوا الحج والعمرة إنما طافوا طوافاً واحداً».

قلت: هكذا أقام ابن تيمية الحجة والبرهان على أن من روى من الصحابة الإفراد، فقد صح عنه رواية القرآن أو التمتع، مثل: عائشة وابن عمر وجابر، فضلاً عن ثبوت رواية

<<  <  ج: ص:  >  >>