عثمان: كنا خائفين؛ فإنهم كانوا خائفين في عمرة القضية، وكانوا قد اعتمروا في أشهر الحج، وكان كل من اعتمر في أشهر الحج يسمى أيضاً متمتعاً؛ لأن الناهين عن المتعة كانوا ينهون عن العمرة في أشهر الحج مطلقاً، وشاهده: ما في الصحيح: عن سعد بن أبي وقاص؛ لما بلغه أن معاوية نهى عن المتعة، قال: فعلناها مع رسول الله ﷺ وهذا كافر بالعرش، يعني: معاوية، ومعلوم أن معاوية كان مسلماً في حجة الوداع، بل وفي عمرة الجعرانة عام الفتح، أو قبل ذلك، ولكن في عمرة القضية كافر بعرش مكة، وقد سمى سعد عمرة القضية متعة، فلعل عثمان أراد الخوف عام القضية، وكانوا أيضاً خائفين عام الفتح، وأما عام حجة الوداع فكانوا آمنين، لم يكن قد بقي مشرك؛ بل نفى الله الشرك وأهله، ولهذا قالوا: صلينا مع رسول الله ﷺ في آمَنَ ما كان الناس ركعتين، فلعله قد اشتبه حالهم هذا العام بحالهم هذا العام، كما اشتبه على من روى أنه نهى عن متعة النساء في حجة الوداع، وإنما كان النهي في غزاة الفتح، وكما يظن بعض الناس: أن النبي ﷺ دخل الكعبة في حجة أو عمرة، وإنما كان دخوله الكعبة عام الفتح لما فتح مكة، ولم يقل أحد إنه دخلها في حجة ولا عمرة؛ بل في الصحيحين: عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى من صحابة النبي ﷺ: أدخل النبي ﷺ البيت في عمرته؟ قال: لا. وفي الصحيحين: عن مطرف بن الشخير، قال: قال لي عمران بن حصين: أحدثك حديثاً لعل الله أن ينفعك به: إن رسول الله ﷺ جمع بين حجته وعمرته، ثم إنه لم ينه عنه حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه. وفي رواية: قال: تمتع رسول الله ﷺ وتمتعنا معه. فهذا عمران وهو من أجل السابقين الأولين أخبر أنه تمتع، وأنه جمع بين الحج والعمرة. وفي صحيح مسلم عن غنيم بن قيس، قال: سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة في الحج؟ فقال: فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعُرُش. يعني: بيوت مكة، يعني: معاوية. وهذا إنما أراد به سعد عمرة القضية، فإن معاوية لم يكن أسلم إذ ذاك. وأما في حجة الوداع فكان قد أسلم، فكذلك في عمرة الجعرانة، فسمى سعد الاعتمار في أشهر الحج متعة؛ لأن بعض الشاميين كانوا ينهون عن الاعتمار في أشهر الحج، فصار الصحابة يروون السنة في ذلك رداً على من نهى عن ذلك، فالقارن عندهم متمتع، ولهذا وجب عليه الهدي، ودخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾، وفي صحيح البخاري وغيره عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بوادي العقيق، يقول:«أتاني الليلة آت من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة». فهؤلاء الخلفاء الراشدون: عمر وعثمان وعلي، وغير الخلفاء كعمران بن حصين، يُروى عنهم بأصح الأسانيد: أن النبي ﷺ قرن بين العمرة والحج، وكانوا يسمونه تمتعاً. وفي الصحيحين عن بكر بن عبد الله المزني، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة، فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنساً فحدثته، فقال: ما يعدونا إلا صبياناً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك عمرة وحجاً.