وروى محمد بن الحسن، عن مالك، أنه قال: إذا جاء عن النبي ﷺ حديثان مختلفان، وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين، وتركا الآخر، كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به، ثم ساق طرفاً من أحاديث إفراد الحج، ثم قال:«والأحاديث عن عائشة مضطربة في هذا جداً» [وانظر: التمهيد (١٢/ ٢٤٤ - ط الفرقان). الاستذكار (٤/ ٦٠) و (٤/ ٣٠٤)].
والعجيب أن ابن عبد البر بعدما ساق بعض أحاديث الباب، وساق أحاديث القرآن، وختمها بحديث أنس، قال في الاستذكار (٤/ ٣٠٦): «فهذا أنس يخبر أنه سمع النبي ﷺ يلبي بالعمرة والحج معاً، وعلي يخبر أنه سمعه يقول: سقت الهدي وقرنت، وليس يوجد عن النبي ﷺ من وجه صحيح: إخبار عن نفسه أنه أفرد، ولا أنه تمتع، وإنما يوجد عن غيره إضافة ذلك إليه بما يحتمل التأويل، وهذا لفظ يدفع الإشكال، ويدفع الاحتمال، وبالله التوفيق وهو المستعان».
وقال أيضاً في الاستذكار (٤/ ٣٠٧): «ومما يدل أن رسول الله ﷺ كان قارناً: حديث مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ: «من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً»، ومعلوم أنه كان معه هدي، وأنه لم يحل حتى نحر الهدي، وبالله التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل».
وقال ابن عبد البر في الاستذكار:(٤/ ٦٣)«وأما قول مالك؛ أنه سمع أهل العلم يقولون: من أهل بحج مفرد ثم بدا له أن يهل بعد بعمرة فليس ذلك له. قال مالك: وذلك الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا»، قال أبو عمر:«اختلف العلماء في إدخال الحج على العمرة، والعمرة على الحج، فقال مالك: يضاف الحج إلى العمرة، ولا تضاف العمرة إلى الحج، قال: فمن فعل ذلك فليست العمرة بشيء، ولا يلزمه لذلك شيء، وهو حج مفرد. وكذلك من أهل بحجة فأدخل عليها حجة أخرى، وأهل بحجتين، لم يلزمه إلا واحدة ولا شيء عليه. وبهذا قال الشافعي في المشهور من مذهبه. وقال ببغداد: إذا أهل بحجة فقد قال بعض أصحابنا لا يدخل العمرة عليه، والقياس: أن أحدهما إذا جاز أن يدخل على الآخر فهما سواء. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: يدخل الحج على العمرة، ولا يدخل العمرة على الحج».
قال أبو عمر:«يحتمل من قال: تمتع رسول الله ﷺ، وقول من قال: أفرد الحج، أي: أمر به وأجازه، وجاز أن يضاف ذلك إليه كما قال ﷿: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾، أي أمر فنودي، وإذا أمر الرئيس بالشيء جاز أن يضاف فعله إليه، كما يقال: رجم رسول الله ﷺ في الزنى، وقطع في السرقة، وتقول العرب: حضرت زرعي، ونحو ذلك، إذا كان ذلك باد فيه، والاختلاف هنا واسع جداً، لأنه مباح كله بإجماع من العلماء، والحمد لله» [وانظر: الاستذكار (٤/ ٣٠٤)].