وقال أبو المظفر السمعاني في الاصطلام (٢/ ٢٩٩): «وفي هذه المسألة خطب عظيم، وقد طعن بعض أهل البدعة في الرواة، ونسبوهم إلى الكذب، بسبب اختلافهم في هذه الروايات، مع اتفاق الكل أن النبي ﵇ لم يحج إلا حجة واحدة، وقد بينا وجه الترجيح والتأويل، فنسأل الله تعالى أن يعصمنا من إساءة القول في السلف الصالح، وأن يجعلنا ممن يحسن الظن بهم، ويحسن القول فيهم، وأن نكون ممن يرجع بالتهمة على نفسه بظن التقصير وقلة البلوغ لقلة الآلة، والله تعالى ولي العصمة والمعونة».
وانظر: البيان والتحصيل لابن رشد (٣/ ٤٤٤).
وقال ابن رشد في البيان والتحصيل (٤/ ٧٦): «والأصح من جهة الإسناد: أن رسول الله ﷺ كان قارناً؛ لأنه قد جاء عنه ﷺ أنه قال لعلي بن أبي طالب ﵁، لما قدم عليه من اليمن: «بماذا أهللت؟»، قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﵇، قال:«فإني قد سقت الهدي وقرنت»، وهو ﷺ كان أعلم بأمره، وبما كان به محرماً من غيره، وعلى أنه كان قارناً يمكن أن يصحح الآثار كلها، ويجمع بينها بما ينفي الاختلاف والتعارض عنها، وذلك على وجهين: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون أحرم حين صلى الركعتين في المسجد بعمرة مفردة، فلما استوت به راحلته في فناء المسجد أهل بحجة مفردة أضافها إلى العمرة المتقدمة، فصار بذلك قارناً، فلما أشرف على البيداء وهو قارن، قال: لبيك بعمرة وحجة معاً، قال من حضره في المسجد حين أهل بعمرة وغاب عنه فيما بعد ذلك: إنه تمتع، وقال من حضره حين استوت به راحلته وغاب عنه في المسجد وحين أشرف على البيداء: إنه أفرد الحج، وقال من حضر الأمرين جميعاً أو من حضره حين أهل على البيداء: إنه قرن، والوجه الثاني وهو الأظهر: أنه أحرم أولاً بحجة مفردة؛ على ما روي عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ أفرد الحج، ثم فسخ ﷺ بعد ذلك حجة في عمرة؛ نقضاً لما كان عليه أهل الجاهلية من أنهم كانوا لا يستبيحون العمرة في أشهر الحج، ويرون ذلك من أفجر الفجور، فكانوا يقولون: إذا برئ الدبر وعفا الأثر ودخل الصفر حلت العمرة لمن اعتمر؛ لأنهم كانوا يسمون المحرم صفراً فصار بذلك متمتعاً، ثم لما دخل مكة أردف الحج على العمرة فصار قارناً، فصدق من قال: إنه أفرد الحج، وصدق من قال: إنه تمتع، وصدق من قال: إنه قرن؛ لأنه كان في حال مفرداً، وفي حال متمتعاً، وفي حال قارناً، ويشهد هذا لما ذهب إليه مالك ﵀ من أن الإفراد أفضل بالحج؛ لأنه الذي أحرم به رسول الله ﷺ أولاً، وإنما فسخه في عمرة لينقض بفعله ما كان عليه أهل الجاهلية، والله تعالى هو الموفق لا رب غيره ولا معبود سواه».
وقال في المقدمات الممهدات (١/ ٣٩٧): «وفي قول عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ: «من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً»؛ دليل على أن رسول الله ﷺ كان قارناً،