قلت: وقد وفق الله جماعة من النقاد لجمع طرق حديث عائشة، وإزالة إيهام الاضطراب عن اختلاف أصحابها عليها في سياق حجة النبي ﷺ، وقد سقت غالب كلام ابن حزم في التوفيق والجمع بين روايات حديث عائشة، وكان كلامه في ذلك موفقاً مسدداً، ومع ذلك فقد أشكل هذا الباب على كثير من النقاد والمحققين، فمن ذلك قول ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٢٦): «الاضطراب عن عائشة في حديثها هذا في الحج عظيم، وقد أكثر العلماء في توجيه الروايات فيه، ودفع بعضهم بعضاً ببعض، ولم يستطيعوا الجمع بينها، ورام قوم الجمع بينها في بعض معانيها، وكذلك أحاديثها في الرضاع مضطربة أيضاً، وقال بعض العلماء في أحاديثها في الحج والرضاع: إنما جاء ذلك من قبل الرواة، وقال بعضهم: بل جاء ذلك منها، فالله أعلم».
قلت: ليس في أحاديث عائشة في هذا الباب اضطراب، ولكن زاد بعضهم على بعض، واقتصر بعضهم على بعض ما سمع من عائشة، أو أن عائشة كانت تحدث كل واحد بما يحضرها في هذا الوقت بما يتناسب مع ما يريده السامع من فقه مسألة، أو إرادة عائشة سرد الواقعة من إحدى جوانبها دون البعض الآخر، ونحو ذلك من المعاني، وقد سردت كلام ابن حزم في التوفيق بين هذه الروايات جميعاً بحيث تتفق ولا تختلف، ويصدق بعضها بعضاً، ولا يكذب بعضها بعضاً، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
ثم نقل ابن عبد البر رواية ابن أبي مليكة، ثم نقل عن مالك:«أنه قال في حديث عروة عن عائشة في الحج: ليس عليه العمل عندنا قديماً ولا حديثاً، ولا ندري أذلك كان ممن حدثه أو من غيره، غير أنا لم نجد أحداً من الناس أفتى بهذا.
يريد مالك أنه ليس عليه العمل في رفض العمرة؛ لأن العمل عليه عنده في أشياء كثيرة منها: أنه جائز للإنسان أن يهل بعمرة ويتمتع بها، ومنها: أن القارن يطوف طوافاً واحداً، وغير ذلك مما فيه ما نذكره في هذا الباب إن شاء الله»، قلت: وقد سبق بيان معنى رفض العمرة، وأنه ﷺ أراد أن ترفض عملها، بأن تؤجل الطواف بالبيت والسعي، حتى تطهر، فتدخل الحج على العمرة وتطوف لهما بعد الطهر طوافاً واحداً، وتسعى سعياً واحداً، وبهذا يتضح أن حديث عروة معمول به كله، لم يترك منه شيء.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٤/ ٥٨): «وفي حديث عائشة: إفراد الحج، وإباحة التمتع بالعمرة إلى الحج، وإباحة القرآن، وهو جمع الحج مع العمرة، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، وإنما اختلفوا في الأفضل من ذلك.
وكذلك اختلفوا فيما كان رسول الله ﷺ به محرماً في خاصته عام حجة الوداع، وأما مالك قال في ذلك بما روي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، وعن أبي الأسود عن عروة عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ أفرد الحج. وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة، وجابر»، إلى أن قال: «الإفراد أحد قولي الشافعي، وقول عبد العزيز بن أبي سلمة، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن، وبه قال أبو ثور.