عنها لفظ الإفراد، وإنما رويا عنها: أهل بالحج ﵇، وليس في روايتهما عنها أنه ﵇ أهل بالحج؛ شيء يمنع من أن يكون أيضاً أهل بالعمرة، ولا فيه أيضاً ذكر إهلال بعمرة أصلاً، فليس في رواية عمرة والأسود ما يوجب الإفراد، ولا ما يخالف رواية من روى عنها القرآن، وإنما فيه الاقتصار على ذكر بعض ما استوعبه بعض من روى عنها القران، فإذا أضفت إلى رواية عمرة والأسود عنها رواية مجاهد عنها، واجتمع الأمران صح القران يقيناً، وهكذا القول في ما روي عن أسماء، مما ذكرناه عنها في باب فسخ الحج من كتابنا هذا من قولها: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجاً، وفي بعض الآثار عنها: مهلين بالحج، فإنما عنت أصحابه ﷺ، لا إهلاله، ولم تُضِف أيضاً أنه قرن إلى الحج عمرة، فقول من زاد أولى، وهكذا القول في الرواية عن ابن عمر سواء سواء، بل في الرواية عنه بيان يدل على رجوعه عن الإفراد»، إلى آخر ما قال، كما ذكر أيضاً رواية من روى عن جابر بالإفراد وتوجيه ذلك القول، ثم توجيه من روى الإفراد عن ابن عباس، بكلام طويل؛ فليراجع، إلى أن قال:«وبهذا تتألف جميع الروايات، ويصح تصديق جميعها، وإضافة بعضها إلى بعض، فوهت روايات الإفراد، وسقطت كلها»، ثم عرج بعد ذلك على روايات التمتع، وأن صفة الحج فيها إنما هي صفة القرآن، ثم ختم ذلك بقوله:«وهذه الروايات الصحاح المشهورة تبطل قول من قال: إنه ﵇ أهل بعمرة مفردة، ثم أحل منها، وأهل بالحج، فصار متمتعاً، فلما وهت روايات التمتع وبطل الإفراد والتمتع لم يبق إلا روايات القرآن، فوجب الأخذ بها، وثبتت صحتها إذ من وصف صفة القرآن من الصحابة ﵃ لا يحتمل تأويلاً، ولا أن يقال: إنها وهم، ومن اعترض فيها فإنه ينسب الكذب المجرد إلى الصحابة ﵃، ويصفهم بأنهم ذكروا أنهم سمعوا قولاً لم يسمعوه، وحدثوا بعمل طويل لم يكن كما حدثوا، وهذا فظيع جداً لا يُقدِم عليه ذو ورع، وبالله تعالى التوفيق.
وكان الرواة للقران اثني عشر من الصحابة كما ذكرنا، منهم ستة مدنيون، وواحد مكي، واثنان بصريان، وثلاثة كوفيون، وبدون هذا النقل تصح الأخبار صحة ترفع الشك، وتوجب العلم الضروري، فصح بذلك أنه ﷺ كان قارناً بيقين لا شك فيه، وكانت سائر الروايات التي تعلق بها من ادعى الإفراد أو التمتع غير مخالفة لرواية الذين رووا القرآن، ولا دامغة للقران على ما قد بينا، والحمد لله رب العالمين».
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢١٥): «التمتع والقرآن والإفراد: كل ذلك جائز بسنة رسول الله ﷺ، وقد مضى القول في معنى نهي عمر عن التمتع بما فيه بيان لمن فهم.
ولم يكن تمتع ولا قران في شيء من حج الجاهلية، وإنما كانوا على الإفراد، وكانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، لا خلاف بين أهل العلم والسير في ذلك، والإفراد أفضل إن شاء الله، لأن رسول الله ﷺ كان مفرداً، فلذلك قلت: إنه أفضل؛ لأن آثاره أصح عنه في إفراده ﷺ، ولأن الإفراد أكثر عملاً، ثم العمرة عمل آخر، وذلك كله طاعة، والأكثر منها أفضل» [وانظر أيضاً: التمهيد (٨/ ٢٠٥)].