للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

والبراء وأنس في القرآن لا تحتمل تأويلاً أصلاً، والتي هي الغاية في البيان، وهكذا القول أيضاً في حديث معاوية؛ لأنه يحتمل وجوهاً قد ذكرناها، وأما حديث أبي موسى فقد بينا وجهه في فصل مفرد له، وكحديث علي إذ أمر علياً بالبقاء على إحرامه، وأمر أبا موسى بفسخ إحرامه بعمرة، وكلاهما أهل بما أهل به ، وذكرنا أن ذلك منصوص في الحديث نفسه، وأن علياً كان ساق الهدي، وأن أبا موسى، وعثمان، وسعداً، لا متعلق فيها لمن ذهب إلى الإفراد أصلاً، وإنما يتعلق بها من ذهب إلى أنه كان متمتعاً، وقد سقط تعلل أصحاب الإفراد جملة، والحمد لله رب العالمين.

وأما من ذهب إلى الأخذ بالزائد وهو وجه يجب استعماله إذا كانت الألفاظ كلها أو الأفعال كلها منسوبة إلى النبي ولم تكن موقوفة على غيره من دونه ولا تنازعاً ممن سواه ، فوجه العمل في هذا أن نقول وبالله تعالى التوفيق: إنا وجدنا من روى الإفراد، إنما اقتصر على ذكر الإهلال بالحج وحده دون عمرة معه، ووجدنا من روى التمتع إنما اقتصر على ذكر الإهلال بعمرة وحدها دون حج معها، ووجدنا من روى القرآن قد جمع الأمرين معاً، فزاد على ذكر الحج وحده عمرة، وزاد على من ذكر العمرة وحدها حجاً، وكانت هذه زيادة علم لم يذكرها الآخرون، وزيادة حفظ ونقل على كلتا الطائفتين المتقدمتين، وزيادة العدل مقبولة وواجب الأخذ بها. فوجب بهذا أيضاً أن يصدر إلى رواية من روى القرآن دون رواية من روى غير ذلك، وأيضاً فالذين رووا القرآن زادوا زيادة لا يحل لمسلم تركها، وهي أنهم حكموا أنهم سمعوا ذلك من لفظه ، ولم يذكر ذلك غيرهم، فوجب ألا يلتفت إلى لفظ أحد بعد لفظه .

وأما تأليف الأحاديث على حسب ما يمكن، فإنا نقول وبالله تعالى التوفيق: إنه لم يرو لفظ الإفراد عن عائشة إلا عروة والقاسم، وروى عنها القران: عروة أيضاً ومجاهد، فعروة كما ترى مضطرب عنه، يروي أبو الأسود عنه الإفراد، ويروي الزهري عنه القرآن، وليس مجاهد دون قاسم، فلا بد من رد إحدى الروايتين إلى الأخرى، فنظرنا في ذلك فوجدنا رواية من روى عنهما القرآن لا تحتمل تأويلاً أصلاً؛ لأنها حكاية طويلة وعمل موصوف لا مساغ للتأويل فيه إلا تكذيب الراوي؛ إذ ليس مثل ذلك الوصف مما يغلط فيه بشيء غير تعمد الكذب، وليس من كذب عقيلاً بأولى ممن كذب أبا الأسود، ولا من كذب مجاهداً بأسهل ذنباً ممن كذب القاسم، وكل ذلك لا يجوز، بل هم كلهم الثقات المشاهير الفضلاء رحمة الله عليهم، فلا بد من التأليف بين الروايتين، وتصديق كليهما، فإذ لم يكن بد من ذلك، وكانت رواية من وصف عمل القرآن لا تحتمل تأويلاً، وكانت رواية من روى الإفراد تحتمل التأويل، وهو أن يكون قولها : أفرد الحج، أي لم يحج بعد فرض الحج إلا حجة فردة لم يثنها بأخرى، ويحتمل أن تكون سمعته يلبي بالحج، فروته ولم تسمع ذكر العمرة، فلم ترو ما لم تسمع، ثم صح عندها بعد ذلك أنه قرن، فذكرت ذلك كما روى عنها عروة ومجاهد، وأما عمرة والأسود فلم يرويا

<<  <  ج: ص:  >  >>