للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

إنما أراد: بعمرة مفردة لا حج معها، هذا ما لا شك فيه، لما قد بينا فيما خلا من حديث مالك ومعمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أنه أمر من معه هدي بأن يهل بحج وعمرة معاً، فصح أن الهدي لم يمنع حينئذ من الجمع بين الحج والعمرة، وإنما منع من الإهلال بعمرة مفردة، أو بحج مفرد، هذا اتفقت عليه الأحاديث كلها، وأما قول حماد في حديثه: «فإني أهل بالحج»، فلم يقل : بحج مفرد، ولا خلاف في هذا الحديث على من قال: إنه أهل بحج، وبعمرة مع الحج، بل أحاديث هؤلاء زائدة على أحاديث حماد بن سلمة زيادة لا يحل تركها إلى شيء لا بيان فيه، وهو مخالف لها، بل موافق لها، فصار هذان الحديثان حجة على من ادعى الإفراد في الحج، وصح أنه لم يهل بعمرة مفردة قط، لكن أهل بحج، وذكره بعض الرواة، وزاد آخرون ثقات عليهم فضل علم كان عندهم، وهو أنه كان مع ذلك الحج عمرة مقرونة معه، وهذا ما لا يحل لأحد خلافه؛ لأنه حينئذ يصير متحكماً بلا دليل، واتفقت الأحاديث كلها وانتفى عنها التعارض، وصدق بعضها بعضاً، لا كما يريد خصمنا من أن يكذب بعضها ببعض، وهذا ما لا يحل لمسلم، وبالله تعالى التوفيق. فهذا وجه الرد إلى الله تعالى وإلى رسوله قد لاح أنه كان قارناً، وبالله تعالى التوفيق.

وهذا الوجه الذي ذكرنا من الرد عند التنازع إلى القرآن والسنة، هو الحكم الذي لا يجوز تعديه، ولكن لثقتنا بوضوح الحق؛ نُري الخصم أنه لو استعمل سائر الوجوه التي قدمنا لشهدت كلها بأنه كان قارناً، وذلك أننا نقول وبالله تعالى التوفيق: أما من ذهب إلى إسقاط المتعارض من الروايات والأخذ بما لم يتعارض منها، فوجه علمه في هذا أن نقول: إن كل من روي عنه الإفراد قد اضطربت عنه الرواية، وروي عن جميعهم القرآن، وهم: عائشة، وجابر، وابن عمر وابن عباس، وقد ذكرنا الروايات عنهم بذلك في أول هذا الباب، ووجدنا أيضاً عمران بن الحصين، وعلي بن أبي طالب، قد روي عنهم التمتع، وروي عنهم القرآن، ووجدنا أم المؤمنين حفصة، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، لم تضطرب الرواية عنهم، ولا اختلفت عنهم في أنه كان قارناً، فننزل رواية كل من اضطرب عنه، ونرجع إلى رواية من لم يضطرب عنه، وليست إلا رواية من روى القران خاصة كحفصة والبراء وأنس، هذا وجه العمل على قول من يرى إسقاط ما تعارض من الروايات والأخذ بما لم يتعارض منها.

فإن قال قائل: إن عثمان، وسعداً، لم يرو عنهما شيء، غير أنه كان متمتعاً، قيل له وبالله تعالى التوفيق: إن عائشة أم المؤمنين، وعلياً، وعمران، وابن عمر، قد ذكروا أنه كان متمتعاً، ثم لما فسروا ذلك التمتع، ذكروا أنه كان جمعاً بين الحج والعمرة، وهذا هو القران، فوجدناهم قد سموا القرآن تمتعاً، وقد ذكرنا عنهم في الأحاديث التي أوردنا آنفاً في صدر هذا الباب، فاحتمل أن يكون عثمان، وسعد عنيا أيضاً بالتمتع القران، كما فعلت عائشة، وعلي وابن عمر، وعمران، فكما احتمل ذلك، وكانت رواية حفصة

<<  <  ج: ص:  >  >>