أقوال من أظهروا البراهين الواضحات والدلائل البينات على كون النبي ﷺ كان قارناً، وانظر مثلاً كيف يتأول المالكيون تفضيل نسك الإفراد على غيره من الأنساك، حيث يقول القاضي عبد الوهاب المالكي في المعونة (٥٦٣): «فإذا ثبت ما ذكرناه؛ فالإفراد أفضل من التمتع والقران والتمتع أفضل من القران، وإنما قلنا: إن الإفراد أفضل من الأمرين، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنهما أفضل منه، وللشافعي في قوله: إن التمتع أفضل من الإفراد؛ لأن النبي ﷺ أفرد بالحج، ورواية عائشة ﵂ أرجح من رواية غيرها، ولأن الأفضل أن يؤتى بالعبادة منفردة بنفسها من غير خلط لها بغيرها، ولأن القران والتمتع يتضمنان من الرخص ما يوجب النقص والجبران؛ من إيقاع العمرة في أشهر الحج، والترفه بإسقاط أحد السفرين، وجعل الفعلين واحداً، وكل ذلك نقص يوجب جبراناً!!! والعبادة التي لا نقص فيها ولا تحتاج إلى جبران أفضل مما خالفها!!!» [وانظر: شرح الرسالة (٢/ ٢٥٨ - ٢٧٢) فقد أوعب الكلام في المسألة].
وقال ابن بطال في شرح البخاري (٤/ ٢٤١): قال المهلب: أشكلت أحاديث الحج على الأئمة، صعب تخليصها، ونفى التعارض عنها، وكلُّ ركب في توجيهها غير مذهب صاحبه، واختلفوا في الإفراد والتمتع والقرآن أيها أفضل، وفي الذي كان به النبي ﵇ محرماً من ذلك. فذهبت طائفة إلى أن إفراد الحج أفضل، هذا قول: مالك، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أبو ثور، وممن روى أن النبي ﵇ أفرد الحج: جابر، وابن عباس، وعائشة، وبهذا عمل أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعائشة، وابن مسعود، بعد النبي ﵇. وقال أبو حنيفة والثوري: القرآن أفضل، وبه عمل النبي ﵇، واحتجوا بحديث أنس: أن النبي ﵇ لما استوت به راحلته على البيداء أهل بحج وعمرة، وهو مذهب: علي بن أبي طالب، وطائفة من أهل الحديث، واختاره الطبري، وقال أحمد بن حنبل: لا شك أن الرسول ﷺ كان قارناً، قال: والتمتع أحبُّ إليَّ، لقول النبي ﵇:«لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة». وقال آخرون: التمتع أفضل، وهو قول: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وبه قال عطاء، وهو أحد قولي الشافعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، واحتجوا بحديث ابن عمر: أن النبي ﵇ تمتع في حجة الوداع، وبقول حفصة: ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك، ثم أسهب بعد ذلك في بيان أن النبي ﷺ كان مفرداً، وأن نسك الإفراد هو أفضل الأنساك [انظر: شرح ابن بطال (٤/ ٢٤١ - ٢٥٢) و (٤/ ٤٤٠ - ٤٤٨)] [وممن أطال أيضاً في إيراد الأقوال ومناقشتها: الماوردي في الحاوي (٤/٤٣ - ٤٨ و ٦٤ - ٦٦)] [وانظر: حجة الوداع (٣٩٦)].
وقال ابن حزم في حجة الوداع (٤٤٤) في الرد على من احتج بحديث: «فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة» على أنه أهل بحج مفرد، ولم يهل بعمرة، قال:«قيل له وبالله تعالى التوفيق ليس كما ظننت؛ لأن معنى قوله ﵇: «لولا أني أهديت لأهللت بعمرة»،