للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

ثم قال (٢/ ١٦١): «وأما من روى أنه تمتع بالعمرة إلى الحج؛ فإنه قد أثبت ما حكته عائشة من إحرامه بالحج، وأثبت ما رواه أنس من العمرة والحج؛ إلا أنه أفاد الزيادة في البيان والتمييز بين الفعلين، بإيقاعهما في زمانين، وهو ما روته حفصة، روى عنها عبد الله بن عمر؛ أنها قالت: يا رسول الله! ما شأن الناس حلوا، ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: «إني لبدت رأسي، وقلدت هديي؛ فلا أحل حتى أنحر»، فثبت أنه كان هناك عمرة؛ إلا أنه أدخل عليها الحج قبل أن يقضي شيئاً من عمل العمرة، فصار في حكم القارن، وهذه الروايات على اختلافها في الظاهر؛ ليس فيها تكاذب ولا تهاتر، والتوفيق بينهما ممكن، وهو سهل الخروج غير متعذر، والحمد لله.

وقد روي في هذا عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي أحرم من ذي الحليفة إحراماً موقوفاً، وخرج ينتظر القضاء، فنزل عليه الوحي، وهو على الصفا، فأمر رسول الله من لم يكن معه هدي أن يجعله عمرة، وأمر من كان معه هدي أن يحج، … »، ثم ذكر حديث وهيب عن هشام بن عروه عن أبيه عن عائشة، ثم قال: «احتج من رأى التمتع بقوله : لولا أني أهديت لأهللت بعمرة»، قال: فالأفضل ما اختاره رسول الله ، وما تمناه أن يفعله لو كان صادف وقته وزمانه، وقد يحتمل أن يكون معنى قوله: «لأهللت بعمرة أي: لتفردت بعمرة أكون بها متمتعاً؛ يطيب بذلك نفوس أصحابه الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج، فيكون دلالته حينئذ على معنى الجواز، لا على معنى الاختيار. وقوله: «ارفضي عمرتك»؛ اختلف الناس في معناه، فقال بعضهم: اتركيها وأخريها على القضاء. وقال الشافعي: إنما أمرها أن تترك العمل للعمرة من الطواف والسعي؛ لا أنها تترك العمرة أصلاً، وإنما أمرها أن تدخل الحج على العمرة فتكون قارنة. قلت: وعلى هذا المذهب تكون عمرتها من التنعيم تطوعاً؛ لا عن واجب، ولكن أراد أن تطيب بنفسها، فأعمرها، وكانت قد سألته ذلك، وقد روي ما يشبه هذا المعنى في حديث جابر» [وانظر أيضاً: أعلام الحديث (١/ ٣٢٣)].

وقد ساق الحاكم في معرفة علوم الحديث (١٢٣) أحاديث إفراد الحج، ثم عارضها بأحاديث المتعة، ثم بأحاديث القرآن، ثم قال مثلما قال في أحاديث الإفراد والمتعة: «وهذه الأحاديث تصرح بأن رسول الله كان قارناً»، ثم قال: «والحجة واحدة، والمعارضات صحيحة، وقد شفى الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق في الكلام على هذه الأخبار، واختار التمتع، وكذلك أحمد وإسحاق، واختار الشافعي الإفراد، واختار أبو حنيفة القرآن».

وقد تعلقت كل طائفة من أصحاب المذاهب بأحاديث الباب الذي يؤيد مذهبها وتأولت ما عداها من الأحاديث، وكتب الفقه ملأى بهذا التنظير والرد والمعارضات، ولا أريد الإطالة بإيراد أقوالهم والرد عليها، فليس هذا الكتاب موضعاً للاستطراد في ذلك، ولكني سوف أورد مقتطفات من أقوالهم، مع بيان ما يظهر لي من وجه الصواب، مع إيراد

<<  <  ج: ص:  >  >>