وقال سائر من ذكرنا: الإقران بغير سوق جائز، وعلى القارن ما استيسر من الهدي مثل ما على المتمتع.
وانظر ما قاله الطحاوي في شرح المعاني (٢/ ١٤٢) في الجمع بين روايات حديث عائشة، وقد سبق الرد عليه في ذلك، وبيان وجه الصواب.
وقال الخطابي في المعالم (٢/ ١٦٠): «لم تختلف الأمة في أن الإفراد والقران والتمتع بالعمرة إلى الحج كلها جائزة؛ غير أن طوائف العلماء اختلفوا في الأفضل منها، فقال مالك والشافعي: الإفراد أفضل. وقال أصحاب الرأي والثوري: القرآن أفضل. وقال أحمد بن حنبل: التمتع بالعمرة إلى الحج هو الأفضل. وكل من هذه الطوائف ذهب إلى حديث، وقد ذكر أبو داود تلك الأحاديث على اختلافها مجملاً ومفسراً، … ، غير أن جماعة من الجهال ونفراً من الملحدين طعنوا في أحاديث رسول الله ﷺ وفي أهل الرواية والنقل من أئمة الحديث، وقالوا: لم يحج النبي ﷺ بعد قيام الإسلام إلا حجة واحدة، فكيف يجوز أن يكون في تلك الحجة مفرداً وقارناً ومتمتعاً، وأفعال نسكها مختلفة، وأحكامها غير متفقة، وأسانيدها عند أهل الرواية ونقلة الأخبار جياد صحاح، ثم قد وجد فيها هذا التناقض والاختلاف يريدون بذلك توهين الحديث والإزراء به، وتصغير شأنه، وضعف أمر حملته ورواته.
قلت: لو يُسروا للتوفيق، وأعينوا بحسن المعرفة؛ لم ينكروا ذلك ولم يدفعوه، وقد أنعم الشافعي بيان هذا المعنى في كتاب اختلاف الحديث، وجود الكلام فيه، وفي اقتصاصه على كماله، والوجيز المختصر من جوامع ما قاله فيه: أن معلوماً في لغة العرب جواز إضافة الفعل إلى الآمر به كجواز إضافته إلى الفاعل له، كقولك: بنى فلان داراً؛ إذا أمر ببنائها، وضرب الأمير فلاناً؛ إذا أمر بضربه، وروي رجم رسول الله ﷺ ماعزاً، وقطع سارق رداء صفوان، وإنما أمر برجمه ولم يشهده، وأمر بقطع يد السارق، ومثله كثير في الكلام، وكان أصحاب رسول الله ﷺ منهم المفرد ومنهم القارن والمتمتع، وكل منهم يأخذ عنه أمر نسكه، ويصدر عن تعليمه، فجاز أن يضاف كلها إلى رسول الله ﷺ، على معنى أنه أمر بها، وأذن فيها، وكل قال صدقاً وروى حقاً، لا ينكره إلا من جهل وعاند، والله الموفق.
قلت: وقد يحتمل ذلك وجهاً آخر، وهو أن يكون بعضهم سمعه يقول: لبيك بحج، فحكى أنه أفردها، وخفي عليه قوله: وعمرة، فلم يحك إلا ما سمع، وهو عائشة، ووعى غيره الزيادة فرواها، وهو أنس، حين قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك بحج وعمرة، ولا تنكر الزيادات في الأخبار، كما لا تنكر في الشهادات، وإنما كان يختلف ويتناقض لو كان الزائد نافياً لقول صاحبه، فأما إذا كان مثبتاً له وزائداً عليه فليس فيه تناقض ولا تدافع.
وقد يحتمل أيضاً أن يكون الراوي سمع ذلك يقول على سبيل التعليم لغيره، فيقول له: لبيك بحجة وعمرة، يلقنه ذلك».