للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وقد استدل المالكية بنفس النص على كون النبي كان مفرداً؛ فمن ذلك مثلاً، قول ابن بطال في شرح البخاري (٤/ ٢٤٧): «قوله في حديث عائشة: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»؛ وهذا نص قاطع أنه لم يهل بعمرة».

قلت: نعم؛ لم يهل بعمرة مفردة، وإنما أهل بالحج والعمرة جميعاً، كما ثبت سماع أنس له، وهو يهل بهما جميعاً، وسيأتي تفصيل هذه المسألة لاحقاً.

ثم قال ابن بطال: «وليس في قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة»؛ دليل أن التمتع أفضل من القران، كما زعم أحمد بن حنبل، وإنما قال ذلك من أجل ما كبر عليهم مخالفة فعله لفعلهم حين بقي على إحرامه ولم يحل معهم؛ حين أمرهم بفسخ الحج والإحلال وإصابة النساء، فشق ذلك عليهم، وقالوا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس، أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكرنا المني، فآنسهم النبي وقال لهم: «قد علمتم أني أصدقكم لله وأبركم، ولولا هديي لتحللت كما تحلون فسكنوا إلى قوله، وطابت نفوسهم».

قلت: وفي قوله هذا أيضاً نظر؛ فإن امتناع النبي من التمتع إنما كان لأجل سوق الهدي، وكذلك كل من ساق الهدي من أصحابه، إما مفرداً كان أو قارناً، ولم يحل أحد منهم لأجل الهدي، وليس في هذا دليل على كون الإفراد أو القران أفضل من التمتع، كما لم يكن في اختيار الخلفاء الراشدين الإفراد على التمتع والقرآن دليل على كون الإفراد أفضل، كذلك لم يكن في أمر النبي عامة الصحابة ممن لم يسق الهدي بالتمتع، وأن يحلوا بعمرة؛ لم يكن فيه دليل على كون التمتع أفضل من الإفراد والقرآن، إذ كان لكل واحدة من هذه الحالات ما يفسر وجه اختيارها، ووجه الأمر بها، لأجل ما يقتضيه الحال، وسوف يأتي الكلام عن أفضل الأنساك بعد.

وقال ابن حزم في المحلى (٥/ ١٦٠): «قول رسول الله : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، ولأحللت»، أو كما قال ؛ فأخبر عليه الصلاة السلام بفضل المتعة، وأنها أفضل أعمال الحج».

وقال القاضي أبو يعلى الفراء في التعليقة الكبيرة (١/ ٢١٨): «وأما تأسفه على الفسخ، فلأنه أحب الوفاق بينه وبين أصحابه في الفعل، ولم يحب الاختلاف».

يبين صحة هذا: ما رواه أبو داود بإسناده عن عائشة: أن النبي قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولأحللت مع الذين أحلوا من العمرة».

قال: أراد أن يكون أمر الناس واحداً. وقد ذكر ذلك في حديث عائشة: أحب أن يكون أمر الناس واحداً.

وقال القاضي أبو يعلى أيضاً (١/ ٢٤٨): «وهذا نص؛ لأن النبي بين أنه لو لم يسق الهدي لحل، وعندهم ما كان يجوز له ذلك».

<<  <  ج: ص:  >  >>