- يعني: القاسم وعمرة والأسود - على الرواية التي ذكرنا، فعلمنا بذلك أن الرواية التي رويت عن عروة غلط، ويشبه أن يكون الغلط إنما وقع فيه أنها لم يمكنها الطواف بالبيت، وأن تحل بعمرة كما فعل من لم يسق الهدي، فأمرها النبي ﷺ أن تترك الطواف وتمضي على الحج، فتوهموا بهذا المعنى أنها كانت معتمرة، وأنها تركت عمرتها وابتدأت الحج، قال: وكيف يجوز لإنسان أن يترك عمرته أو حجه؟ والله يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ فأمر بإتمام ما دخل فيه من ذلك، قال: فإذا حاضت المعتمرة وحضر يوم عرفة وخافت فوات الحج أدخلت الحج على العمرة، وصارت قارنة، وكذلك الرجل إذا أهل بالعمرة ثم خاف فوات عرفة أهل بالحج، وأدخل الحج على العمرة، وصار قارناً، كما يفعل من لا يخاف فوات عرفة سواء، وعليه الهدي للقران»، وقد أطال النفس في ذلك.
قلت: وأما استدلاله بحديث حاتم بن إسماعيل عن أفلح بن حميد عن القاسم [سيأتي تخريجه تحت الحديث الآتي برقم (١٧٨٢)]؛ فيقال: قد خالفه أولاً في سياقه عبد الرحمن بن القاسم؛ فلم يأت فيه بهذا السياق:
رواه عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ، ولا نذكر إلا الحج، فلما قدمنا سِرِف طمثتُ، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال:«ما يبكيك؟»، قلت: وددت أني لم أخرج العام، قال:«لعلك نفست؟»، يعني: حضت قالت: قلت: نعم، قال:«إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: اجعلوها عمرة»، فحلَّ الناسُ إلا من كان معه هدي، وكان الهدي مع رسول الله ﷺ، وأبي بكر وعمر وذوي اليسارة قالت: ثم راحوا مهلين بالحج، فلما كان يوم النحر طهرت، فأرسلني رسول الله ﷺ فأفضتُ، يعني: طفتُ.
أخرجه مسلم (١٢٠/ ١٢١١)، وتقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٧٥٠).
وعبد الرحمن بن القاسم أعلم بحديث أبيه، وهو أوثق وأضبط بكثير من أفلح بن حميد، ثم إن عامة من روى هذا الحديث عن أفلح لم يأتوا بهذه الزيادة، ومنهم: أبو نعيم الفضل بن دكين، وإسحاق بن سليمان الرازي، وأبو بكر الحنفي [وروايتهم في الصحيحين، أخرجه البخاري (١٥٦٠) و (١٧٨٨)، ومسلم (١٢٣/ ١٢١١)]، وعليه فإن زيادة:«وقد أهللت بالحج»، بعد قولها: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، وقبل قوله ﷺ:«ما يبكيك؟»، زيادة شاذة، تفرد بها حاتم بن إسماعيل دون بقية من رواه عن أفلح، وعلى فرض ثبوتها: يمكن حملها على التقديم والتأخير، فإن عائشة إنما أهلت بالحج بعد أمر النبي ﷺ لها بذلك لما اشتكت له أنها ما طافت بالبيت ولا سعت بين الصفا والمروة، وقد أظلها يوم عرفة، وتخاف فوت الحج؛ فحينئذ أمرها بأن تهل بالحج وتدخله على العمرة، وقال لها:«افعلي ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»، وهو الذي يفسر ما جاء في رواية الجماعة عن أفلح:«فكوني على حجك»، وهي